النكبة والثقافة العربية, د ميشيل نجيب

ميشيل نجيب
عاش العرب ما أسماه كبار مفكريها وسياسييها بالنكبة سنة 1948 أو النكسة التى وقعت سنة 1967 ، هل كانت حقاً نكبة كبرى أم نكسة طبيعية أرادها العرب لأنفسهم ؟ وهل الواقع الذى يعيشه العرب هو أستمرار لتلك النكبة والنكسة أم العرب أنفسهم هم الذين صنعوا واقعهم بأيديهم ؟
لماذا أصبحت قضية فلسطين نكبة على كل الشعوب العربية والجميع يصفق ويهلل لها وكأن مشاكل الدول والشعوب العربية أنتهت وبقيت مشكلة واحدة هى مشكلة فلسطين نكبة النكبات ؟
أصبحت حقوق الفلسطينيين هى حقوق كل العرب يدافع عنها كل عربى قومى ثورى ، وأصبح هذا المنطق هو فلسفة كل الأنظمة السياسية التى زرعتها فى نفوس شعوبها ، الكل يهلل أو يتباكى على حقوق شعب فلسطين التى ينتزعها الإحتلال الإسرائيلى ويغضبون على القتلى والجرحى والتدمير هنا وهناك ، أصبحت قضية فلسطين هى أولوية كل شعوب العرب وتوقف معها كل مظاهر الإبداع والتقدم وكل مشاريع التنمية الحقيقية وأرتضت الشعوب بالدكتاتورية حلاً ديمقراطياً للجهاد والمقاومة ضد إسرائيل .
العالم العربى يضج بالمشاكل والمواطن العربى يئن تحت وطأة الضغوط اليومية التى يواجهها فى العمل وفى المؤسسات الحكومية وبالرغم من ذلك فالمواطن العربى بشهامته المعهودة ينسى تلك الضغوط والمشاكل عندما تصطدم أذناه بكلمة فلسطين تلك الكلمة السحرية التى حولت حياة العرب إلى متاهات تراثية يرثون فيها أنفسهم والتاريخ الذى لا يعرفون عنه إلا أنهم أصحابه وورثته وصناع حضارته ، ينسى المواطن العربى كل شئ ويجرى رافعاً صوته بالدعاء للأنتصار على أولاد القرود ورميهم فى البحر وأستعادة أمجاد فلسطين وأمجاد العرب وصلاح الدين الأيوبى .
من السهل أن يتغنى كل عربى بهذا الرجل البارع فى الخطابة الفاشل فى السياسة والحرب ، التغنى بأنتصارات عبد الناصر هو نوع من الجهل العربى الرافض لتلك التجارب الناصرية الفاشلة التى يعيشها كل عربى حتى الآن ، الناصرية أصبحت مرضاً مزمناً أصاب عقول العرب ، لأن الناصرية ترضى كبريائهم الجريح ، كان العرب يفتقدون إلى القائد الشجاع الذى يثير غرائزهم الحماسية والعدائية تجاه الآخرون حتى وإن كان يعيش شعبه بدون ماء أو خبز أو يموت خيرة شبابه فى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل ، هذا لا يهم المهم هو القومية والدفاع عن فلسطين والعروبة .
بعد أربعين عاماً ما الذى تغير على واقع العرب أو المصريين ؟ لا شئ ... الشئ الوحيد الذى تغير هو أكتساب العقل العربى لنظريات المؤامرات وثقافة النكبة التى حولته إلى عقل تراثى ينفعل ويتباكى على التاريخ المزيف الذى أفسد عقله وحاضره ومستقبله.
لماذا صنع العرب من الهزيمة نكسة ونكبة كبرى ؟ ألا تهزم الدول ؟ ألم تهزم اليابان مثلاً أشر هزيمة مما نسميه نكسة ؟ لنبصر بعيون الواقع نتائج هزيمة اليابان التى هى تقدم وحضارة عظيمة بينما هزيمة 1967 التى يتذكرها العرب كل سنة للعويل وللأسترزاق فى وسائل الإعلام والضحك على الشعوب كانت نتائجها حتى هذه اللحظة عكس ما حدث مع اليابانيين أى تخلف وتقهقر إلى الوراء والبكاء على قبر النكسة حتى أصبحنا أشعر من الخنساء فى الرثاء على أحوال أنفسنا وأنظمتنا الحاكمة.
لماذا جعل العرب من هزيمة 1967 حدثاً فريداً فى تاريخهم ولم يتذكروا هزائم غيرهم من الممالك والأمم ؟ لماذا أصبح حدث الهزيمة حدثاً فريداً تقام له الندوات والمهرجانات الخطابية وأمتلأت وسائل الإعلام بما لذ وطاب من الخطب الحماسية فى ذكرى هذه النكسة التى يحتفلون بذكراها الأربعين ؟
هل لأن الذين أفاضوا فى أمجاد النكسة ينتظرون ظهور صدام حسين أو عبد الناصر أو صلاح الدين الأيوبى ليستعيدوا لهم بعض أمجاد الماضى ؟ وهل كانت حقاً أمجاد أم حروب دموية الدم الإنسانى هو الضحية لأفكار القادة المقدسين ؟
مازالوا يتحدثون عن الرجعية والقومية والصهيونية وغيرها من الشعارات التى قتلها العرب صياحاً فى الإعلام والشوارع ، ومازال العرب يتقدمون عن غيرهم من شعوب الأرض فى الحفاظ على قدرتهم الإعجازية فى نشر الفتن والعصبيات والعنصرية والقتل والتشريد بين شعوب الوطن العربى لبنان والعراق وأخيراً فلسطين أمثلة حية على أن ضمير الشعوب نفسها ماتت بالفعل ولم تعد تفرق بين معنى الموت ومعنى الحياة ، وفجأة أصبح الجميع مثل كذابين الزفة الكل يغنى ويهلل ويصفق وكأنهم يريدون إسترجاع التاريخ ليحولوا الهزيمة إلى أنتصار ساحق بالكلمات والخطب البلاغية التى يجيدونها ببراعة.
كل عام وأنتم بألف خير ونكسة سعيدة !
/ميشيل نجيب - إيطاليا


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google