عند مرقد السيدة -1 د. حازم كمال الدين

عند مرقد السيدة
الطريق إلى الجحيم مليء بذوي النوايا الحسنة
حازم كمال الدين

1. شخصيات تجريدية

يوسف ابراهيم:
عراقي مرسوم في لوحة زيتية أجواؤها العامة صحراوية. يوسف، ليس شخصا. بل سرج بعير رابض فوق الرمال.
إيريك مارتينز:
بلجيكي ليس مرسوما في لوحة. إنه تمثال حين يتفتت تعود إليه الحياة، وحين يتماسك، يموت. إيريك رجل يشبه رمال متحركة.
موسيقي:
شخصية مبهمة تعزف كل الآلات.
صورة غائمة الملامح:
ضريح:
منبر:

2. طبيعة صامتة

فضاء يستعصي على التعريف.
تصوّر أنك تخرج من بيتك فتواجهك صحراء لا متناهية. لم تعد هناك طرقات مبلطة بالإسفلت، ولا أعمدة كهرباء. لا بيوت، لا حركة سير ولا مارة. الحركة أو اللا حركة لا تقودك إلى الخلف أو إلى الأمام أو إلى الجوانب... بل إلى عمق الصحراء.
فضاء يستعصي على التعريف.
تصوّر أنك تجد نفسك في حالة ترحّل في الصحراء. أنت لا تترحّل. الصحراء هي التي تمتد إليك فتبدو أنت مثل سراب يتدلّى في فلاة. في فضول صحراوي. في غواية صحراوية. الصحراء تبثّ فيك، رغم القيظ، نسمات مرمّلة، مظلّلة وموّشاة برذاذ ماء عذب. كلما أوغلت في البيداء، أو بالأحرى كلما تجاوزتك البيداء، تكتشف أن لونها الحقيقي هو اللون اللازوردي. هنا وهناك ثمة ما ينمو في الصحراء. بقع رملية داكنة تتفتق عن شيء.
سراب آخر يتدلّى أم ماذا؟
ومثلما يتجمّع الندى تتجمّع البقع وتأخذ هيئات آدمية. ثمّ مجاميع بشرية صغيرة تغذّ السير.
في فضاء يستعصي على التعريف يبدو وكأن ثمة موعدا.
أنت تبدأ الخطو. تتبع المجاميع التي تبدو لك وكأنها تختفي في غيمة غامقة.
غيمة أم واحة؟ تسأل نفسك، ثم تغذّ السير نحو الغامق المفترض.
درب رملي يبزغ. يتسّع. وشيئا فشيئا تنبثق من الرمال أشنات تبثّ رائحة بخور. ثمّ أشنات أخرى أكبر. ثمّ أشنات تصبح بيارغ ملونة...
لهيب مشاعل وروائح بخور.
إيقاعات دفوف عالية.
ترتسم على الرمال أزقّة أخرى. في رأس كل زقاق صنم يقدم شايا أو ماء ورد أو شمعة عليك أن تشعلها وتجتازه إلى ممر ضيّق.
جدران الممرات ليست من الآجر ولا من الإسمنت. جدران الممرات مبنية من عباءات غامقة. في نهاية كل ممر تنفرج فسحة من الفضاء. في موضع ما من الفسحة ثمة معمار يشبه بيت القصب.
ديوان.
بوابة صغيرة.
أنت تدخل الديوان.
ثمة ضريح، منبر، أعمدة قصب، أرض مفروشة بالسجاجيد والوسائد.
لا ضوء سوى تمايل لهب الشموع. القهوة حارة. يبدو دخول الناس المتقاطرين، أو المتقطرين، وكأنه استسلام لواحة صمت مؤطرة بعبق بخور هندية.
شخوص الحكاية يسكنون الديوان... كأنهم تماثيل حيّة في متحف!
إيريك يؤدي طقوسا تحاول أن تحاكي الطقوس الإسلامية، فيفشل أحيانا وأحيانا ينجح.
إيريك إلى جانب الضريح، عاري:
كائن متيبّس يلتصق بعمود من القصب.
طين إنساني يتكور على نفسه قرب المنبر.
مومياء تعيد تكوين أبجديتها في ثنايا السجاجيد.
زهرة رمل تتفتت عند صدر الضريح.
إلى جانب إيريك، عند الباب، موسيقي يجلس مثل عبد: يقدم القهوة المرّة ويعزف آلات بدائية. الموسيقي ينادي قوى خفية.
موسيقى وغناء يشتعلان كنار تذيب جليد التمثال (إيريك) الذي تكبّله الثلوج من جديد ما أن تخبو النار.

3. مدخل..
صباح السبت

موسيقى.
إيريك يحدّق بالجمهور.
إيريك يتحدث طوال الوقت.

من أين نبدأ؟؟
.......
إيساك بابل، بوريس پلنياك، أوسيپ ماندلستام، دانيل شارمز، ﭭيسفولد مايرهولد، ماكسيم گوركي....... گوركي... ماكسيم، ميرخولد.... ﭭيسفولد، شارمز.. دانيل، ماندلستام...... أوسيپ، پيلنياك بوريس، بابل.......... إيساك.... إيساك بابل، بوريس پلنياك، أوسيييپ ماندلستام، دانيييييل شييارمز، ﭭيسفولد مايرهولد.. هولد.. هولد، ماكسيم گوركي،......

نعم! يعني!!! أسماء!! مجرد لائحة بأسماء كتّاب اختفوا في عهد ستالين. جوزيف ستالين، ستااالين. ستالين جوزف. أسماء!! تمارين على الأسماء... تمارين.. أحفظها عن ظهر قلب. أنا لا أحب أن احفظ شيئا عن ظهر قلب.. قابليتي على الحفظ ضعيفة ولساني ثقيل، وأتكلم بسرعة كبيرة وأبلع الحروف أثناء الكلام. لذلك، أمارس ذلك الجمناستك الصباحي منذ زمن: هكذا اتفقت مع نفسي اتفاقا جنتلمان!
.....
على أية حال!!
السبت. ككل يوم أقف أمام المرآة في الساعة الثامنة صباحا. أتأمل كيف يلوك لساني الأسماء.. يتقاذفها في فجوة الفم ويرميها من الأمام إلى الخلف، من الخلف إلى الأمام، من الأمام إلى الخلف.
الجو حار. حزيران!
رحيق الزيزفون البديع يهب على الحمّام. طاقتي على المرح تتفتح.
اسمع شخصا ما يهبط السلم كالرعد..
ـ لابدّ أن يكون جاري الساكن فوق.
أقول لنفسي.. وقبل أن تستقر الفكرة في ذهني، يداهم جاري غرفتي كالعاصفة. يدور في الغرفة، ويلوّح بيده عاليا. يواجهني بعلبة كرتونية صغيرة يحملها!! أنا واقف في منتصف الغرفة. عاري. عيناي تزوغان بحثا عما يستر أعضائي...
ـ الاسم!
يقول لي.
ـ الأيقونات.. أين اختفت؟
يسألني!!
ـ الآثار، الخطوط... ماذا تريد مني؟
يسألني مرة أخرى بحدة تصيبني بالتوتر.
ـ أتعرف ماذا تريد مني؟
بالطبع لا أعرف ماذا تريد منه ولا من هي.. أو ما هي!! أهمل أسئلته وأفكر فقط بـ:
ـ كلسوني. سروالي الداخلي. أين هو؟ يجب أن أرتديه.
ـ أتعتقد أنها انتقلت إلى......
يصرخ.
ـ أتعتقد أنني انتقلت إلى جوار ربّي؟!!
وبقبضة كفّه الهائلة يضرب قحف رأسه.
يطير شرودي وتمصّري الصباحي بسرعة البرق!! ما هذا الحضور الصاعق الذي مسّني في الصميم وقوّض الصباح، بل وقوّض يوم السبت كله؟
ـ اللغة. اللغة.. لا شيء تحت سقف جمجمتي سوى اللغة!
يئنّ الرجل.
ـ كابوس لغوي، أين هو الكابوس؟؟؟
ويمسك فكاّه بتلابيب بعضهما، يحكّ قبضة يده بإبريق الماء الحديدي ويغمغم شيئا من قبيل:
ـ ممم... أم...
و..
ـ أتفهمين ما أقصد؟
يا الهي! ماذا أفعل؟ كل ما أستطيع أن أقول له هو:
ـ تفضل بالجلوس.
الرجل يجلس. وأثناء الجلوس انتهز الفرصة لكي أعبيء بنطلون جينز مكوي للتو بمؤخرتي العارية!

2. المدينة المسوّرة

ـ تشرب شيئا؟
أسأله.
ـ مدينة مسوّرة من كل جانب بجبال على رؤوسها العسكر.
يقول.
ـ وحدات عسكرية واقفة في وضعية إنذار جيم على رؤوس الجبال. بينما نحن في الأسفل، في تلك المدينة... لقد شحّ الذهول!
ـ شحّ الذهول؟!! ماذا تعني؟
ـ نفذت الصدفة! ونفذ كل شيء! ولم يتبق لي إلا أن أرقب أيام المدينة. المدينة كائن متغير. متجدد دائما.
ثم... يبربر مع نفسه وكأنه يبحث في ثنايا الرطانة عن ذكريات.
ـ ذات صباح شتائي.
يقول.
ـ ذات صباح شتائي رأيت الأشجار، خضراء يانعة، تلهو مع الأزهار. بالطبع يحدث ذلك لأني لم أكن أعاني في ذلك الصباح من الصداع...
ثم... يرطن مرة أخرى...
ـ ذات مساء صيفي رأيت أعمدة الضوء تطير فتصبح الشوارع مظلمة حالكة، لولا كؤوس حليب السباع لما عادت الأعمدة إلى الشوارع..
ـ تريد أن تشرب شيئا؟
أسأله.
ـ كان ربيعا وكانت الأزهار تتقافز. تغيّر أزيائها الملوّنة أمام عيني. كانت الأشجار اليانعة تتهادى... وكنت أرى النسيم بين زهور السوسن والياسمين... وفجأة رأيت ما يلي: زوبعة. باقات زهور محمولة. أشجار مقتلعة عائمة. الموت يجزم الأفعال! روائح عفنة. نتانة كونية!
ـ أصنع لك شيئا من القهوة؟
ألح قليلا ولكن بأدب.
ـ نتانة كونية!!
يعيد علي.
ـ لقد رأيت تلك المجزرة بالطبع لأن الخمور ما تزال تتلاطم في معدتي ولأن حريقا شبّ في أحشائي وآخر فلع قحف رأسي. نار سحبتني ودفعتني ودكّتني وزگطتني ورفستني وأمرتني: لماذا لا تقول شبّيك لبّيك!
ـ ماذا؟!!!!!!!!!!
ـ شبّيك لبّيك! عبدك بين يديك!
ـ ها؟؟ نعم؟.. جاري العزيز، أرجوك.. أنا أيضا ما أزال في ساعات الصباح الأولى.
اهدأ إيريك.. قلت لنفسي.. اهدأ. هيا.. اصنع قهوة قوية للزائر المفاجئ ولك.

موسيقى

3. الكابوس

لم أكن تعرفت على جاري العراقي بشكل جيد. أو بالأحرى، لم تكن لدي به معرفة. لهذا، احترت. كيف سأبدأ الحديث؟
ـ هل تعيش من فترة طويلة في بلجيكا؟
أقول له وأقدم كوب قهوة سوداء قوية.
برشفة واحدة يقذف القهوة بين ما تبقّى من أسنان مصفرّة في فمه ويقول بلغة إلهية:
ـ لقد نسيت الكابوس!
أنا أقول:
ـ من الصعب الحفاظ على الأحلام في الذاكرة.
ـ لا. لقد نسيت الكابوس عامدا! ولم أعد أفكر بها. بعد كل تلك السنين من التصفير في المقاهي، الأشغال العضلية، والجوع، والـ.. ، والـ.. لقد نسيت أنها تنتظر. كانت واقفة عند ضريح السيدة زينب تريد أن تراني. بينما أنا نسيت أن لدي أشواق لها. اندفعت نحوها بعجلة. توقفت أمامها. تمتمت: لا. إنها ليست هي واستدرت إلى ناحية أخرى رغم الهاجس الذي أراد أن يستوقفني قائلا: أنظر جيدا! إنها أمك... أكملت الطريق ورحت أنظر حولي: ربما تجلس هناك.
طوال الوقت كان جاري يزوغ ببصره في زوايا المطبخ. أغلق عينيه، وامتدّت يده إلى إبريق القهوة. أمسك بالابريق ورشّ ما تبقى من قهوة فوق أسنانه المتباعدة.
ـ كيف لي أن أتعرّف على أمي، أنا الذي نسي بعد ثلاث سنوات من المنفى حتى صورة العراق؟
يفتح عيناه السوداوان فتنجذب عيناي إليه.
ـ كيف لي أن أعرف أنها أمي، وقد تركتني ذاكرتي، وحيدا، أتفرس بوجهها، في مرقد السيدة زينب، حتى أضيع في التفاصيل والتجاعيد، فأرى صورة جدّتي مرة وصورة جارتي مرة وصورة سجادة مرة وصورة ابنتي مرة حتى يهتز كل شيء وتهرب مني القدرة على التعرّف على ملامحها؟
يضرب جمجمته بقبضة كفه مرة أخرى.
ـ لا أدري. لم أعد أدري. ذكريات ملامحها المتبقية في ذاكرتي تدق مسامير نفسها على وجه آخر لامرأة لا تقف عند المرقد، وإنما تجلس بين عشرات النساء في الصحن. نساء مبرقعات بعباءات سوداء. تهرب ذكريات الملامح مرة أخرى، إلى امرأة أخرى تمسك بقضبان شباك الحضرة بقوة لا تتناسب مع حجمها. وعجوز تهزّ الضريح في حالة تجلّي، في حالة لا أمل، ولكن بقوة وعزيمة الأيمان. ومرة أخرى تهرب الملامح لتستقر على وجه امرأة أخرى، ثم امرأة أخرى، وعلى أخرى حتى تتلبّس وجوه جميع النساء.

4. أمي!

أدقّق النظر فيه كيف يهذي تاريخه.. "بهدوء يا أخ، برويّة. قل ما تشاء. دع الأمور تجري برويّة" أفكر مع نفسي. بيد أن العكس هو الذي يحدث أمامي.
فجأة يقف جاري وقفة القديس پول حين قدم إلى دمشق عام 34 للميلاد، ودهمته الرؤيا كأن صاعقة تشقّه شقيّن: فم مفتوح إلى أقصاه وعينان تزوغان إلى حيث لا أدري..

أنسلّ إلى غرفة النوم. أتعمّد التأخر لكي أضع شيئا حول جذعي العاري. وإذ أنا أبحث في كومة الـ (تي شيرتس) أسمع أنين. أنشغل في البحث. أنين. أنين لا يتوقف. أستغرق في البحث. كلمات تلوّن الأنين. أنين وكلمات. أتناول (تي شيرت) مكتوب عليه (ولد لكي يحيا) لكني أغيّر رأيي فأرميه بعيدا. أتناول قميصا كيفما اتفق وأتحرك بشجاعة نحو المطبخ.
كان واقفا هناك. بلا حراك. لا تسيء فهمي. كان واقفا هناك. كهل عمره حوالي 35 سنة. ملامح وجهه، مستغلقة تائهة، تبحث عن دموع.
ـ يمّه!!
يقول.
ـ يمّه!!..... أمي، أريد صورتك.
قال وانفتح علـ... علـ.. انفتح على ماذا؟ انفتح وكأن شمس أشرقت؟... نظر إلي ونظر. نظر طويلا، ونظر حتى بدأت أعصابي تتوتر.

5. الصورة

ـ هل أستطيع أن أفعل لك شيئا يا أخ أأ.... ؟
أسأله بطريقة خرقاء.
ـ إيريك..
يقدّم نفسه لي.
ـ عفوا؟
أقول.
ـ إيريك. اسمي إيريك.
يقول. أنا أضحك.
ـ أنا إيريك. اسمي إيريك!
أقول له.
ـ لا تردد خلفي كالببغاء.
يقول
ـ يوسف؟ أليس اسمك يوسف؟
أقول له.
كان مكتوبا على جرس شقته: ي. إبراهيم... يصمت الرجل. أسأله مرة أخرى:
ـ أليس اسمك يوسف؟
ـ اسمي إيريك.
يقول.
ـ هل بإمكاني أن أفعل لك شيئا يا.. يا.. إيريك؟
أقول له... أعطيه كرسيا. يدور بكرسيه، يداه بين فخذيه، يتأمل في موتيفات الكاشي المتناظرة على أرض المطبخ.
ـ أردت منها صورة فقط!! بيد أنها صمتت، لأنها لم تكن تحمل صورة شخصية لها... "خذ هوية الاحوال المدنية. اقلع الصورة الملصوقة عليها، وسأخبرهم في العراق أنها ضاعت" قالت لي.
واستغرق في التحديق بالكاشي.
ـ أن يكون كل شيء قابل لأن يوضع في محفظة، في صندوق، حتى أمي ذلك شيء عجيب. على كل حال.. كانت صورة.. هممم. لا أكثر من صورة.
أما أنا فقد بقيت أردد عليه:
ـ هل أستطيع أن اقدم لك مساعدة ما يا.. إيريك؟
لكن الرجل بقي يحدق ويدور.

6. بحثا عن إيريك

مدخل.
إيريك يضع عدسة مكبرة يستخدمها كما يستخدم البيمر.
على الشاشة تظهر فراشة جميلة جدا.

ـ تنبعث موسيقى من تلفزيون البيت.

موسيقى

ـ التلفزيون أسود ـ أبيض.
العام هو 1968.
عمري 8 سنوات.

مدخل آخر.
لحن آخر.

سقّالة (سكّلة) عالية في الخلف.
في أعلى السقّالة (السكّلة) شيء يشبه الإله

يغني أغنية شافي Shaffy المعروفة:

سماؤنا زرقاء ذهبية اليد
غيومنا أبراج، كريستالية ثلجية، نجوم مذنّبة،
رجال وكواكب
آخ، كل شيء حولي يدور،
أنا الملاك.

يغني مقطع آخر من ذات الأغنية

يأسرني لقاء دفء الشمس على وجهي.
يأسرني الضياء النحاسي.
بيدي أسقيك ماءً
ممزوجا بقواقع طالعة في رمال مالحة
أحبك، آه كم أحبك
.......
لأيام طويلة بقيت أردد تلك الألحان. أغني وأشعر بالكلمات تهز كياني.
شيء يسكنني يشبه الفرح والطاقة المتقدة في جسدي

يغني صارخا

آه، كل شيء حولي يدور،
أنا الملاك!!

وقد ساعدني ذلك على تكوين شخصيتي..
في تلك الفترة اندلعت أناشيد أخرى في الشوارع:

يغني أغنية أخرى

سوُننس سوُننس Suenens اطلع برّه!
سوُننس سوُننس اطلع برّه!
..........
كان خريفا. أبي وأنا نتجوّل بالسيارة في شوارع مدينة لوﭭان.
ـ سوُننس ارحل! لوﭭان مدينة ﭭﻼمانية! ارحل سوُننس!
شعارات مكتوبة بكلمات عملاقة على جدران المدينة. ارحل سوُننس! لوﭭان ﭭﻼمانية!! وكان سوُننس ممثلا للروح الكاثوليكية للأمة. ممثل؟ آية الله الكاثوليكي سوُننس Suenens. شيء من هذا القبيل؟ أم... ما...
ـ ما هو الـ "سوُننس"؟
سألت أبي... لكن أبي ظلّ يقود السيارة بتركيز.
ـ ماذا يعني سوُننس؟
سألت أبي مرة أخرى... لكن أبي قال ككل مرة.. لا شيء.
بعد عدة أسابيع في الصف الدراسي، صرخت قافزا من رحلتي.
ـ سوُننس سوُننس اطلع برّه!
دون أن أعرف مغزى الكلمات. لكن امتلاء فمي بالصرخة والكلمة بدت وجيهة. تلك كانت واحدة من انفلاتاتي القليلة خارج بحار الأحلام الراكدة.
ـ إيريك مارتينز، اطلع برّه!
صرخ المعلّم بي.
لحظة... كي أجنبّكم أي سوء فهم: اسمي إيريك مارتينز.
ـ ولكن لماذا يا أستاذ؟
ـ إيريك مارتينز، اطلع برّه!
..........
غادرت الصف... غادرت المدرسة... غادرت الشارع... دخلت إلى البيت...
ـ ما هو سوُننس؟
سألت أمي. لكن أمي.. كـا.. أمي....
صمت

كنت أجلس خلف شباك الصالون المطل على باحة الحديقة. وكنت أنظر إلى الأحجار الرمادية للباحة الصغيرة... كنت قد نثرت فتات من الخبز، حول شجرة الصنوبر الكبيرة... بقايا الخبز للطيور الصغيرة.
وكان لدينا قط. اسمه... كان اسمه (مِـ.. نــ.. و.. )؟ نعم.. نعم (منو). كان يختبيء بين أغصان شجرة الصنوبر وكنت أعرف ذلك... القط يتربّص. وأنا أنتظر. ستراتيجية مشتركة. فالعصافير ستأتي، حتما ستأتي.
وبالفعل جاءت العصافير. أما القط (مِـ.. نــ.. و.. ) فـ: هاپ، هاپ، هاپ!!... وبعد حوالي ساعة، رحت أبحث عن بقايا عظام يدخرها القط لي بشكل منتظم، في زاوية الحديقة الخلفية.

يدندن:

وددت أن أكون طائرا..

ثلاث فراشات تسقط في مصيدتي.
أخرج واحدة من نوع "عين الطاووس". فراشة جميلة جدا. لونها برتقالي متوهج.
الفراشة ترتجف بين أصابعي. من الخوف؟ أترك الفراشة بهدوء ترتجف، ثمة عدسة مكبّرة في يدي اليمنى أوجهها إلى الفراشة. أنتظر الشمس. لا بد أن الشمس ستظهر. لا شك في ذلك. يجب أن أنتظر فقط بصبر.
وبعد فترة.. انظر... الشمس تظهر!!
رشفة من ضياء الشمس تتغلغل إلى عدستي المكبّرة. أرى من بين ثنايا الأجنحة شيئا ينمو. خط ضوئي داكن يتفتق عن شئ ما داخل اطار العدسة.
فراشة عين الطاووس ترتعد في يدي اليسرى.
سخونة خط أبيض تخترق اللون البنفسجي واللون البرتقالي للجناح.
يوشّ دخان بلا نار.
رائحة جيفة. شعواط؟ رائحة حلوة. عطرة.

صمت.
إيريك يضع تحت العدسة المكبرة صورة فيها ثلاثة فتيان.

7. الأخ أسامة

نظر جاري إلى صورة موضوعة على مرمر الموقد:
ـ لديك أيضا ثلاثة أخوة؟
سألني بلذة مفاجئة، وأشرقت تحت عينين دافئتين انفراجة مرحة واسعة حلوة، واتخذ جسده لبرهة ذات الوضعية المرحة: "جسد حرّ وأنيق!" قلت لنفسي!! "البهجة!!" أقول لنفسي. "هذه هي البهجة!! انظر وتعلّم!!" أقول لنفسي.
غير أن ذلك، ما لبث أن خبا.

ـ أخي الأصغر جاء لزيارتي في المدينة المسوّرة. كنت مشدودا لمعرفة ما يحدث خارج المدينة، كنت أريد أن أعرف كل شيء، حتى التفاصيل المملّة. وحين كنا نقصقص هوية الاحوال المدنية للوالدة لكي آخذ صورة أمي معي سألته عن المرحلة الدراسية التي وصل لها، وأشرعت بوجهه حكمة الأخ الأكبر ونحوت عليه باللائمة لأنه توقف كما تركته في ذات المرحلة قبل مغادرة العراق، وسألته عن عاشوراء، عن غصن تفاح كنت أسرق تفاحاته من الشارع كل موسم، عن مقهى الحاج حبيب، وعن الحمار الذي كتبنا عليه ذات ليلة "من يركبك فهو كلب!" وأطلقناه في المدينة واضطرت الشرطة أن تضعه في ساحة وسط المدينة وتقدم له العلف ولا يجرؤ أي واحد على التحرّش به، عن بنات الشروفي وصدورهن المندلعة كل خميس في السوق، عن حجر ناط عن الرصيف كنت أتعثر فيه كلما ذهبت إلى البيت مستعجلا. عن شاكر البدري وهل ما زال يلقي أشعاره في الاحتفالات الكبرى وهو يتأتأ، عن محمد زمان وما آل به الزمان والمكان... وذات لحظة قاطعني أخي قائلا: "مضت ساعة وأنت تناديني تحسين. أنا أسامة ولست تحسين. " عندها حدقت به مشدوها، تفحصت وجهه بدقة في حين أعاد عليّ الاحتجاج: "صار لك ساعة تصيحلي تحسين. أنا أسامة مو تحسين."

كان "إيريك العراقي!" كما سمّى نفسه نابتا في أرض الكرسي، ويداه تحت فخذيه. حدقت به بغباء ورحت أدرس تقاطيع وجهه بانتباه. وهو بدوره راح يحدق بي ويدرس وجهي بانتباه. إيريك. أسامة. إيريك. تحسين.

ـ لم أكن أتوقع أبدا أن التشظي قادر على تدمير ذاكرتي والصور التي لا تمحى إلا بالموت.

ولامس شيئا في... في... في ماذا؟ ذاكرته؟ ثم حكا معي وكأنني أخوه القادم من بطون الذاكرة.
ـ يا حبيبي يا أسامة. لقد كبرت وصرت تشبه تحسين إلى درجة كبيرة. كنت نحيفا عندما غادرت العراق والآن أنت ممتلئ. ضحكتك الآن تختلف عن ضحكتك قبل سنوات، وحتى صوتك صار يشبه صوت تحسين. واخي تحسين.. في أي صف وصل الآن؟

نظرت إليه ورحت أدقق في ملامح وجهه.

ـ وهكذا انتهى اللقاء بيني وبين أخي بقبلة من... أسامة!
نظرت إليه ورحت أدقق في قسمات وجهه.

موسيقى

8. اسكر!!

جلسنا فترة بدون صوت.
جلسنا فقط.
أردت أن أطرح عليه سؤالا عن أسامة، لكنه سبقني:

ـ الصورة
قال.
ـ نسيت الصورة. بحثت عنها فلم أعثر عليها. ونسيت البحث عنها. وتذكرتها وبحثت عنها و. و..
وبدا صوته مرتبكا.
ـ لا. لا.. بالعكس. لم أبحث عنها. كانت تلك ليال طويلة وكنا نعبّ العرق بعد صداع صباحي، وبعد أن كنا أقسمنا أغلظ الأيمان على التوقف عن تناول الكحول وحملنا (بازبند) ما بعد منتصف الليل. والبازبند هو الكائن الوحيد الذي يقارع التنويم الاصطناعي إبان مقارعة الخمور. لا. لا. خطأ. الوصف ليس مضبوطا...

كما قلت قبل قليل: بدا الرجل مرتبكا، فقلت له:
ـ خذ حريتك! اعتبر نفسك في بيتك!!

ـ التسلسل ليس صحيحا، لقد نسيت التفاصيل... كانت تلك ليالي تنتهي بصباحات تبدأ كالتالي. أولا: وجوه كحولية تتفق مع بعض على شيء ما. يمضي بعض الوقت. ثانيا: في الوجوه، تتبعثر ايماءات صغيرات. ابتسامات تخفي ما ورائيات. فترة من التوتر. رابعا: واحد من الوجوه يتظاهر بأنه...
ـ ثالثا.
أقول له.
ـ رابعا
يقول لي.
ـ يفتعل وجه ما مظاهر الانشغالات. يتظاهر بأنه مستغرق في القراءات في بطون كتاب مرمي جانبا..
ـ ثالثا
أقول له.
ـ رابعا!! يصرخ الوجه: اللعنة على الوعود!! سنسكر يعني سنسكر!
يصيح جاري.
ـ سنسكر، سنسكر!
يقذف الكلمات بوجهي وكأنني أخوه أسامة!!
ـ هل تسكر؟
سألني
ـ أنا أشرب.
قلت له.
ـ سنسكر إذن سنسكر!!

وخرج كالبرق من الغرفة. وبلمح البصر قفز السلّم إلى الأعلى ووقف أمامي مجددا.

ـ حليب سباع، درجة أولى. أهم مشروب في العراق!
ووضع قنينتين فوق الطاولة.... نظرت إلى ذلك الحليب: نسبة الكحول °46

ـ حسنا!! سنسكر إذن في منتصف النهار.
قلت له بدوري وفتحت الدرج لأضع إلى جانب حليب السباع العراقي من الدرجة الأولى قنينتان:
ـ جنيـﭭر (مونتپاك) درجة أولى في بلجيكا.. تفضل!
أسحب أقداح بيرة، أملأ اثنين منهما (مونتپاك). جاري يتناول قدحين ويصب فيهما (حليب سباع).

وشربنا. وشربنا. ملأت أقداحه وملأ أقداحي. وملأنا. وملأنا. وملأنا. وملأنا. وملأنا. وملأنا. وملأنا. وملأنا.

9. الشفّافيّة اللا محتملة

من يصدق أن الأقزام موجودون حقا في عالمنا وليس في حكايات الأميرة والأقزام السبعة فقط؟

أنا!

أنا أؤمن بوجود أقزام طولها 51 سنتيم..

لا تصدق؟
هذا شأنك!

كان عمري 26 سنة. عام 1986. لم يكن بإمكاني الحصول على عمل. العثور على عمل قضية صعبة جدا، وأنا عمري ستة وعشرين عاما. ماذا أفعل؟

افهمني: أنا لم أكن غير مهذّب أو غير موهوب ولا تنقصني اللباقة. بالعكس!! كنت متيّما بالميكانيكيات والالكترونيات. التقنيات والرياضيات كانت مزروعة في الجينات. إذا ما وجدت آلة طريقها إلى يدي خضعت مباشرة للتفكيك. يجب أن أفعل ذلك. ولع مجنون بالتفكيك والتركيب. وهكذا، أي أداة ميكانيكية أو الكترونية في البيت، أي أداة في الحديقة، أي جهاز مطبخ تجاوز محال على التقاعد، لم يسلم من هوسي بالتفكيك والتركيب والدراسة المعمقة. خلاطات فواكه، مراوح تعمل على البطاريات، الدمية الناطقة “ik doe pipi”، البطانية الكهربائية، تلفزيون ما قبل التاريخ ذو اللمبّات العجيبة، انتاجات "بلاك آند دكرBlack & Decker ": الدريلات الكهربائية والمثاقب وغير ذلك.. كل شيء، كل شيء، الكاميرا السوپر 8، الكهربائيات ذات الذبذبة... كل شيء.

كنت أعود إلى البيت مساء بعد يوم من البحث عن العمل المثير للأعصاب. أجلس متكاسلا وأبحث عن ما يشتت أفكاري. من خلف شباك الصالون المطل على الحديقة أنظر إلى اللون الأخضر... فألاحظ أن أقزام الحديقة (پاف و فلوف) لم يعودا يقفان مع بعض تحت شجرة الصنوبر الكبيرة بصداقة، وإنما الأول عند شوّاية (الباربكيو) والآخر بين الأزهار. كنت أعود مساء في الليلة التالية محبطا من السوليسيتيشنس الفاشلة. ومن خلف شباك الصالون المطل على الحديقة ألاحظ أنهما قد انتقلا من مكان الأمس إلى وضعية ومكان آخر.
افهمني!! لم يكن يحركهما أحد. لقد كانا يتحركان من تلقاء ذاتهما.
..........
وهكذا استمرت الأيام. كل يوم مكان جديد ووضعية جديدة... دون أن يحركهما أحد!! كنت أطرح على نفسي كل اليوم السؤال التالي: أين سيقفان هذا المساء؟ وكنت أعيش ذلك الترقّب، تلك الأعجوبة. أو تلك السلوى!! كل يوم إثارة جديدة.
أقزام الحديقة المتنقلون أخذوا حيّزا مفاجئا في حياتي.
شيء يشبه الإعجاز. وكأن ملاكا أبيض هبط لزيارتي بطريقة غير متوقعة. لكأنه وقف أمامي متجسّدا في هيئة كائن ملموس. كائن، أو ملاك وضع لنفسه بطارية ونظام تحريك يخضع لتعاليمه فقط بحيث يستطيع في أي وقت أن يتحرك بطريقة مستقلة، ووضع لنفسه (قطعة من الراديوم. راديوم فاكتور) تضيّع عليّ قدرة السيطرة على اتجاهات تحركاته أو تتبعها. شكل من أشكال الفوضى في الكوده.
ماذا سيفعل اليوم مرة أخرى؟
وقد منحني هذا نوعا من الإثارة، أو البهجة، أو السلوى؟
جلبت أقزاما وضعتها هنا وهناك ولففت سيجارتي. كنت سعيدا، وكنت أفعل كل ما أريد وهم بدورهم يفعلون كل ما يريدون. وقد أنساني هذا احباطات عدم العثورعلى عمل. وأنا على أية حال لم أكن أحب العمل حسب المقاس. العمل! هذا شيء ليس لي وإنما للأقزام. أنا أقرر الشروط وهم يتحركون.
حين أخبرت أندرييه صديقي المقرّب عن ذلك الإعجاز، سقط على قفاه من الضحك. ثم سمعته يصيح:
ـ خذ براءة اختراع. إيريك!! افتح معملا للأقزام. مزرعة لتكاثر الأقزام. إيريك. لا تتردد!! مصنع لإنتاج الأقزام، ثمة طلب كبير في السوق والعرض يكاد يكون صفر. إيريك. هذه فجوة كبيرة في السوق. املأها!

عام 1986. كانت الموضة حينها الكشف عن فجوة في السوق، عرض غير مسبوق، طلب كبير يبحث عن عرض. كان عمري 26. وقررت أن أصدق آندرييه.
.......
ذهبت أبحث عن فجوة السوق (العرض) التي أخبرني بها صديقي آندريه. فأنشأت مصنعا صغيرا مستقلا في الگراج... وهكذا: من گراج سيارة أمامي في بيت إلى شركة (الگرّي) ذات المسئولية المحدودة. من گراج إلى مصنع. ورغم أن هذا لم يكن طموحي، فلم أقاوم مغريات السوق. الطلب في السوق كبير أكبر مني.

هكذا جرت الأمور...

حفلات باربكيو وأصدقاء جدد. من أين أتى كل هؤلاء، لا أدري. لكنهم كانوا هناك فجأة. في كل حديقة أو مكان عام ثمة باربكيو وأصدقاء جدد وأقزام تفاجئك بحركات مبتكرة. وأحاديث عن بيزنيس. أحاديث عن بيزنيس. مشاعر رومانتيكية انتابتني ووضعتني في موضع المساهم في بناء عالم أكبر. في صناعة عالم أكبر. ارتقيت من عالمي القديم إلى عالم أرفع.

وقد ساعدني ذلك على تطوير شخصيتي.


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google