ما بعد الحداثة: الثقافة، الهوية، التفسير د. خضر محجز

ما بعد الحداثة: الثقافة، الهوية، التفسير
د. خضر محجز

إن مصطلح (ثقافة)، يحيل إلى تعريفات لا حصر لها، دون أن يتحقق اتفاق حولها بين الباحثين. ويكفي القول بأن هناك اتجاهين، في تلك التعريفات، يتنافسان على التفوق: أحدهما ينظر للثقافة على أنها تتكون من القيم والمعتقدات والمعايير والتفسيرات العقلية، والرموز والأيديولوجيات، وما شاكلها من المنتجات العقلية. أما الاتجاه الآخر فيرى الثقافة على أنها تشير إلى النمط الكلي لحياة شعبٍ ما، والعلاقات الشخصية بين أفراده، وكذلك توجهاتهم.
ولعل محاولتنا تفكيك علاقات الاختلاف هذه، بين الاتجاهين المذكورين، تهدينا إلى حقيقة وجود رابط خفي ـ ولكنه عميق ـ بين كل من الحلم الوجداني والفكر العقلاني، في المجتمعات البشرية المتحضرة. فالمجتمعات لا تنظر فقط إلى إمكانياتها؛ ولكنها ـ بالإضافة إلى ذلك ـ تحلم بما ستكون عليه، أو بما تستحقه، أو بما كانت عليه وتعتز به، كما تحلم بتصوراتها الخاصة عن علاقتها بالكون المحيط ـ الطبيعة والبشر ـ وعالم الغيب الذي تتجه إليه في لحظات معينة... واعتقادات كثيرة ومتعددة، تدخل في صلب تصوراتها عن نفسها، وتتدخل في تشكيل هويتها الخاصة.
وإنه لمن المهم لنا محاولة معرفة كيف نصاحب هذه الأحلام، ونتفهمها، خاصة ونحن نعلم أن نفيها كان، دائماً، هو حلم كل الإمبراطوريات الكليانية، الساعية للسيطرة على الهويات المتعددة، وتذويبها في أتون مصنعها الإمبريالي الضخم، خدمة لثقافة المركز، ومصالح الطبقة المهيمنة. وأن نحاول أن نفهم كل ذلك؛ سوف يعني بالضرورة: الحرص على عدم الوقوع فيما كان يبدو في الماضي ـ بغير حق ـ شكلاً من أشكال التنوير، ألا وهو رفض الاهتمام بكل هذه المتخيل الجمعي، باعتباره أمراً منافياً لـ(العقلانية).
إن هذا المتخيل لا علاقة له مع ما يمكن اعتباره شكلاً جديداً، من اللاعقلانية، أو مظهراً من الظلامية الناهضة من سباتها؛ لكنه يحدد ـ بشكل جيد ـ مدار اللاعقلاني واللامنطقي، الذي لا يمكننا أبداً التنكر لرسوخه الاجتماعي. وفي هذه الوجهة، بالضبط، يبدو الفكر عملاً صبوراً، ومطلباً يفرض مجهوداً معيناً، ويستدعي مجاهدة حقيقية.
ولعل كل هذا الذي أوردناه آنفاً، كان هو الذي يقف وراء أبرز تعريفات الثقافة، في بداية الألفية الجديدة: أقصد التعريف الخاص بالمؤتمر العام لليونسكو، القائل بأن الثقافة ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها: مجمل السمات المميزة ـ الروحية والمادية والفكرية والعاطفية ـ التي يتصف بها مجتمع أو مجموعة اجتماعية. وعلى أنها تشمل ـ إلى جانب الفنون والآداب ـ طرائق الحياة، وأساليب العيش معاً، ونُظُم القيم، والتقاليد، والمعتقدات.
وهكذا نلاحظ أن تعريف اليونسكو قد اهتم بالجمع بين الاتجاهين المذكورين ـ العقلاني والوجداني ـ مع تركيز خاص على علاقة الثقافة بالهوية، إذ يقول الإعلان، بعد الفقرة السابقة مباشرة؛ فيما يمكن اعتباره محاولة تفسيرية: "ويلاحظ أن الثقافة تحتل مكان الصدارة، في المناقشات المعاصرة، بشأن الهوية والتلاحم الاجتماعي، وتنمية اقتصاد قائم على المعرفة".
ولقد بدا كل ذلك واضحاً لتيري إيجلتون، عندما تصدى لتعريف الثقافة، عن طريق ربطها بالوعي الجمعي للحياة المتحضرة: ذلك الوعي الخافي، الموجه لسلوك البشر المتحضرين، بمعزل عن العلاقات الذهنية، التي يمكن ضبطها، والتحكم في اندفاعاتها. فقال: "إنها وجه العملة غير الواعي، بالنسبة إلى الحياة المتحضرة: هي مجموعة المعتقدات والميول، التي لا يمكن الاستغناء عنها، والتي لا بد من حضورها ـ بشكل ضمني ـ في حياتنا، بما يمكننا من ممارسة فعاليتنا. إن الثقافة هي ما يصدر عنا بشكل طبيعي، ما نُفطَر عليه؛ لا ما يعيه ذهننا".
وبعد كل ذلك، لعلنا نستطيع القول كخلاصة: بأن كل تعريف للثقافة، سوف يحيل إلى الكيفية التي يضفي بها الأفراد معاني معينة، على المواقف والأحداث والموضوعات والعلاقات.. وباختصار، على حياتهم: كيف يصل الناس إلى الاعتقاد، بأن الطبيعة المادية تكون على شاكلة دون أخرى؟. كيف تبدو نظرة معينة للطبيعة البشرية، أكثر معقولية من غيرها؟. فالنظرية الثقافية ينصب اهتمامها، بالدرجة الأولى، على استكشاف مختلف الشاشات الإدراكية، التي يقوم الناس من خلالها بتفسير عالمهم، أو فهمه. كل ذلك إلى جانب فهم العلاقات الاجتماعية، التي تجعل رؤى معينة للواقع، تبدو أكثر مصداقية من غيرها. وهذا يحيلنا، مرة أخرى، إلى تعريف اليونسكو، بشأن علاقة الثقافة بالهوية.
ولقد توخت حركة الثقافة، في الماضي، البحث عما يجمع بين الناس، بغية الالتقاء على أرضية مشتركة. ولقد كان من البديهي، وفق هذا المفهوم، أن الذي كان مستفيداً من هذا الالتقاء (المبارك) هو مجموعة القوى الكبرى، التي تهيمن على وسائل الإنتاج في العالم، وعلى حركة المعلومات، ووسائل التأثير التي تصوغ أنماط حياة البشر. ومن كان منا متصوراً حتى عهد قريب أن سراويل الجينز وفطائر الهمبورجر سوف تساهم مساهمة لا نظير لها في تفكيك الاتحاد السوفيتي!. ولقد حدث، ذات يوم، أن شكا رئيس الوزراء الهندي (جواهر لال نهرو) لوزير الخارجية الأمريكي، من هذه الحرب غير المتوازنة، التي تشنها أمريكا على الهند، قائلاً: إن أخطر ما لديكم ولا نستطيع مواجهته هو "هوليوود".
وإذ أدركت القوى الثورية في العالم، متأخراً، خطورة هذا النهج الإمبريالي في صناعة الثقافة، وآمنت من ثم بأن قوى بلاد المركز لن تسوق، من وسائل الثقافة، إلا ما يخدم مصالحها؛ فقد بدأت تقود معركة حثيثة، سوف تؤدي في نهاية القرن العشرين إلى تغيير اتجاه الحركة الثقافية في العالم، مائة وثمانين درجة، ليتقرر من جديد أن الثقافة، في مرحلة ما بعد الحداثة، سوف تصبح جزءاً من المشكلة، بعد أن توهم الكثيرون ـ بفعل الدعاية الإمبريالية ـ أنها جزء من الحل.
إن ما أصبح يحدد موقع الثقافة، اليوم، هو رفضها لأن تكون بانية إجماع، لا يستفيد منه إلا أصحاب السلطة والشركات العابرة للقوميات، بل إنها صارت الآن تؤسس للتعايش بين الاختلافات المتعددة، داعية لأن تقبل الأنماط السائدة بمجاورة أنماط أخرى، نتجت بفعل جغرافيات أخرى، وحضارات أخرى، وعلاقات إنتاج مختلفة.
هل يمكن القول الآن بأن الثقافة صارت تعني الاعتراف بوجود النزاع؟. هو كذلك بالفعل، لأن الثقافة، من منظور ما بعد الحداثة، لم تعد تعني السمو فوق الهوية ـ كما بشر بذلك صغار المتعلمين في السابق ـ بل أتاحت منذ الآن التأكيد على الهويات المختلفة، وضرورة سماع صوت المهمشين.
ولقد بدت علاقة الثقافة بالهوية أمراً محتوماً، ليس في نظر الفلسفة وعلماء الأنثربولوجيا فقط، بل كذلك في نظر واضعي إعلان اليونسكو، الذين لا يمكن تصورهم بعيدين عن تأثير الساسة، في بلدانهم التي انتدبتهم لتمثيلها هناك.
إذن يمكن القول: بأن علينا منذ الآن، ووفقاً لهذا التصور، عن علاقة الثقافة بالوعي الجمعي والهوية، أن نستمع جيداً إلى هذه النصوص التي نقرؤها: نستمع إلى ما لا يقال فيها بصورة مباشرة، بنفس الدرجة التي نستمع فيها إلى ما يقال بطريقة مباشرة. ولعل الذي لم يُقل يكون أكثر أهمية مما قيل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهوية، لأننا نعلم أن الجماعة تلعب دورها الحاسم، في تشكيل لغة الخطاب، وشفراته، ورموزه.
إن ارتباط الثقافة بكل من الهوية والتفسير، يحيلنا إلى مفهوم كليفورد جيرتز القاضي باعتبارها منظومة من الرموز، التي تنتجها الجماعة، بطابعها المحلي. وعلى هذا، فهي ـ بحق ـ ذلك الشعور العميق، الذي يمد الوعي بآليات تفسير معينة، للمواقف المختلفة: وهذه الآليات تمتلك من القوة، ما يجعلها تنشط للعمل فوراً، عند حدوث أي موقف حياتي؛ حتى دون أن يستدعيها الوعي.
وفي حقول إنتاج الدلالة، تأخذ الثقافة شكل الصراع بين طرفين، من أجل المعنى: إذ تحاول أنظمة المعنى، التي خلقتها ثقافة سائدة، أن تجعل المعاني، التي تخدم مصالحها، جزءاً من المعاني العامة للمجتمع ككل؛ في حين تحاول أنظمةٌ جديدة خلقَ معانٍ مضادةٍ، تحفظ للجماعة تميزها، وتحمي لها تفردها واستقلاليتها، عن المراكز العالمية الكبرى لصناعة القرار. أي أنها عادت مرة أخرى إلى مفهوم (إرخ أورباخ)، باعتبار أن لها مهمة حياتية، تتمثل في ما ينبغي عليها فعله، وما ينبغي عليها الامتناع عنه: حيث عليها أن تتعامل بحس عدواني، لصالح الأمة والوطن والجماعة والانتماء. مما يعني أن عليها أن تمتنع عن كل ما يهدد واحداً من هذه المذكورات.
وإذ تأكد لدينا الآن ارتباط الثقافة بالهوية المجتمعية ـ التي تطورت خلال أحقاب بعيدة، وحمل اللاشعور الجمعي آثارها، في نفس كل فرد من أفراد الجماعة ـ فلقد يكون من البديهي إذن أن نعلم، أنها تؤثر في كل أفعالنا وتصوراتنا؛ حتى دون أن نستدعيها في أغلب الأحيان. إنها ناتج ومنتِج في آن: ناتج تاريخٍ، ومنتِج أنساقٍ سلوكية وذهنية، تربي الوجدان العام للأفراد، وتمنحهم ما يجعلهم كائنات ناقدة وملتزمة، أخلاقياً، وتشكل منظومة القيم التي يؤمنون بها، وتحدد خياراتهم الخاصة.

delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google