عند مرقد السيدة -2 د. حازم كمال الدين

10. يوسف عمر

نسمع يوسف عمر يسبّح بتراتيل دينية

ـ إنه يغني. يوسف عمر!
يقول صاحبي
ـ يوسف عمر!!

نسمع يوسف عمر يغني

ـ يوسف عمر في جهاز التسجيل. ونحن، العصابة السجينة في المدينة المسوّرة، نسكر. "سايب ياگلبي سايب" نسكر!! "دشداشه صبغ النيل" على الدوام نسكر ونغني....

نسمع مجددا غناء يوسف عمر

ـ العراق. العراق!
يصيح جاري.
ـ العراق!!
ويبكي. لا بل يعوي.
ـ هاي شنو يابه؟ شبيك لك؟!! شنو ها الخرط... خرط.. مو؟؟؟
يسألني،
ـ استدرار عواطف مو؟.. مقاطع من أغنية تفتح ينبوع العيون. بينما الصورة لا تحمل أي تأثير في ليالي السكر والعربدة والبكاء!!؟
.......

بعد فترة سألته:
ـ ماذا تفعل إذا ما وجدت في حديقتك قزم أسود يتمشّى؟
ـ ليس لدي حديقة كما تعلم!
أجابني.

ـ القزم لا يتجاوز طوله الواحد وخمسين سنتيمتر إطلاقا، على رأسه طاقيّة وهو دائما أشقر. 51 سنتيمتر، أشقر، يرتدي طاقية: وإلا فأنه ليس قزما.
ظل يرتشف الكحول بصمت.

ـ هل رأيت في حياتك زنجيا أشقر؟ طبعا لا، وإذا ما رأيت شيئا من هذا القبيل فلابد أن يكون زنجيا أشهبا (آلبينوalbino).

كان يشرب.

ـ الألماني البدين كان يريد أقزاما من كل الأنواع. جاءني الألماني السمين مع ياباني هزيل. صورة كاريكاتورية! المعذرة لكني لا أستطيع إلا أن أتذكر الحدث بهذه الصورة:

ـ We can work together
قال لي الياباني بلغة إنگليزية مكسّرة، بينما كان الألماني البدين يمسك بحقيبة.

ـ لدينا الكثير من الآلات الموبايل في كل أرجاء العالم. لدينا إنتاج كبير في ألمانيا، تكساس، الأرجنتين وجنوب كوريا. بضاعتك جيدة. بإمكاننا التوصل معك إلى اتفاق مجزي حولها. امنحنا حقوق تصنيع الأقزام الموبايل Darf في مناطق نفوذنا وسترى. سيبقى اختراعك الشخصي وكل ما سنفعله هو أن نبيعه في أرجاء العالم بشكل مربح. نحن نعرض عليك مبلغ عشرة ملايين دولار.

وأخرج الألماني ملف من الحقيبة ومن الملف بضعة أوراق بلاستيكية A4

ـ تفضل.
نظرت.
ـ وقّع هنا لو سمحت.
وأثناء التوقيع قال الألماني البدين:
ـ مثل هذا العرض لا يمكن لأحد أن يرفضه. بالمناسبة، أتعلم أن لدينا أندر وأذكى المحامين في العالم؟

صاحبي يشرب.
(مونتپاك)؟!
ـ لن تمرّ الأمور بسلام!! لن تمر!! وسأفشل. سأفشل. ثمة وراء الأكمة ما وراءها. كنت أشعر بذلك، ومع ذلك وقّعت العقد وحصلت على مقعد في هيئة ادارة الشركة. لم تكن لدي خبرة في الدراماتورگي الاقتصادي (فن تدجين المستهلك)، ومع ذلك كنت أشعر أن (الدراماتورگس) الاقتصاديين بالغوا بأسلوب العرض إلى حد غير مقبول: اعلانات مصوّرة من مثل: ناپليون پوناپيرت في حديقتك. غاندي بالقرب من النافورة. پول بوت. مارادونا.... صحيح أن ناپليون كان قصيرا لكنه لم يكن قزما. صحيح كان ماركوس قصيرا، لكنه لم يكن قزما. صحيح پول بوت قصير لكنه ليس بالقزم. مارادونا قصير لكنه ليس من فصيلة الأقزام. ستالين ضئيل بيد أنه ليس من تلك الفصيلة. غاندي صغير لكن ليس قزما. سوكارنو قصير لكنه ليس قزم. هتلر كذلك... لا. لا. مقارنة الأقزام بهذه الشخصيات في الدعاية مبالغات وإهانات.

جاري الفوقاني ما زال يشرب
ـ تقنيات بيع. أساليب عرض. فنون اجتذاب المستهلك.. هكذا كانت التسميات. وإذا ما انفتح سوق فجأة على الأقزام فإن الترجمة تعني: تلك هي السعادة الكبرى!
أضفت.

ـ في واحدة من اجتماعات قيادة العمليات التجارية للشركة "غرفة الحرب" المنظمة بحرفية عالية، أكّدت احتجاجي على تلك الأساليب. لكن الجواب كان لي بالمرصاد:
"لو كان المستهلك المحتمل رفض شراء البضاعة، لأتفقنا معك على وجود خطأ في سلوكنا السلعي، سيد مارتينز. لكن المبيعات في السوق تؤشر بأن أسلوب عرضنا للبضاعة صحيح. السوق على حق، سيد مارتينز، حركة السوق على حق دائما". وجاءني تعليق آخر بإنگليزية يابانية:
"Mister Mertens, if the client did not buy this product, than we have made some mistakes, but Nasdaq tells us that we are right, mister Mertens, i am sorry, but Wall Street never lies, Mister Mertens"
ولم يعد بإمكاني أن أمر في أي مدينة أو قرية أو ساحة عامة أو حديقة دون أن أصطدم بقزم يحتلّ نافورة ما: نافورات الأبطال، نافورات اللا أبطال، نافورات الحيوانات! أمر يبعث على الشعور بالعار!!... أنا قصير كذلك، نعم، لكنني لست من فصيلة الأقزام! ولن أقف في نافورة... هذه استقالتي من المشروع!! ضربت الطاولة بحذائي وحددت موعدا مع المحامي!

موسيقى

11. العلبة

فوق الطاولة قناني فارغة وأخرى نصف فارغة وأقداح أنصافها فارغة وعلبة كرتونية صغيرة. المطبخ يتراقص في عيني! جسدي يطرب. أشعر وكأنني تحررّت! تحررّت! أمسك عفويا بالعلبة الكرتونية.

ـ لا تقترب منها.
يقول لي.. بحدّة... لا أهتم برد فعله. أقلّب العلبة، وأسأل.
ـ دبابيس؟
ـ اتركها!!!
يقول بحدّة أكبر.

أسأله مرة أخرى.
ـ دبابيس آلة كابسة؟
.............
ـ نعم، دبابيس، دبابيس. كنت أبحث عن علبة الدبابيس. الآلة الكابسة كانت فارغة، ويجب أن أكبس أوراق مساهمتي قبل أن أسلمها إلى مدير التحرير.

لم أكن أعرف من قبل أنه كاتب. كنت أظن أنه..... أنه.....

ـ فتحت درج الطاولة في مكتبي بسرعة. الساعة الواحدة الا ربعا وسكرتير تحرير الجريدة يجب أن يسلّم المواد للمطبعة. تناولت علبة الدبابيس، أخرجت قالب دبابيس لأضعه في الآلة الكابسة، لكن الدبابيس كانت صدئة. نظرت فلاحظت أن اللون الصدئ مصدره علبة أخرى. علبة كبيرت!! وكنت قد نسيت العلبة لأني أوقفت التدخين فترة وعدت اليه دون أن أستخدم العلبة. شيء عالق بعلبة الكبريت... نظرت، فرأيت وريقة سميكة ملتصقة بالعلبة.... أعطني العلبة.
صاح بي، فأعدت العلبة له.

ـ انتابني شعور في تلك اللحظة المخبوصة بوجوب انتزاع الورقة الملتحمة بالعلبة. لماذا؟ لا أدري. نسيت ما كان يشغلني قبل العلبة والآلة الكابسة. نسيت سكرتير التحرير، نسيت النص الجديد الذي كتبته و "سيشكّل ثورة في الأدب الحديث"، وانشغلت بالورقة الصدئة. قلبّت العلبة فاكتشفت أن الورقة إنما هي صورة هوية شخصية. لماذا التصقت الصورة هنا؟ من هو صاحب الصورة؟ لمن هي الصورة؟

أبتسم في سرّي! كاتب "سيشكّل ثورة في الأدب الحديث" يبحلق بعينين عملاقتي السعة بعلبة دبابيس صدئة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ ويتحدث عن علبة كبريت! ميلودراما من القرن التاسع عشر؟!!
ـ خذ الأمور ببساطة يا عزيزي!!
أقول له،
ـ لدينا الليل كله للحديث.
فالتقط أنفاسه.. ثم

ـ حاولت أن أخلع الصورة بحذر. وما أن بدأت حتى انخلع جزء صغير عن العلبة وتمزق جزء صغير آخر وظلّت الصورة عالقة بالعلبة. حاولت مرة أخرى من جانب آخر.. بحذر، وتوتر، واحد.. اثنان... ثلاثة.. آه.. مرة أخرى تمزق جزء من ذلك الجانب. جرّبت جانبا ثالثا فانفصل جزء من الصورة عن العلبة وتنفست الصعداء. استجمعت عزيمتي ووجهت انتباهي لفصل جزء آخر عن العلبة. وبالنهاية تكرر ما حدث: جزء انفصل وجزء تمزّق وبقي معلقا بالعلبة.

ـ سأذهب إلى التواليت!
قلت له وانكفأت على نفسي في التواليت. رحيق الزيزفون البديع ما زال يهب على الحمّام... ما أن رآني عائدا حتى أكمل القصة بنفس الايقاع والاحساس السابقين. وكأن فيلما توقف وعاد إلى الحركة.

ـ أفرطت في المحاولات. وفي كل محاولة كنت أرتكب أخطاء طفيفة تنتج خدوشا وتأوهات وتمزقات على الصورة. عندها ظهر سكرتير التحرير في مكتبي ليسألني عن المقالة فصرخت بوجهه، بالطبع أريد أن أنتزع الصورة دون أن تتلف. وإلا لماذا كل هذا الجهد.... فشلت في انتزاع الصورة عن العلبة. ومع ذلك كنت أحث نفسي على قبول الفكرة التالية "أليس ممكنا أن أنتزعها، هكذا، بصورة مفاجئة، بحركة واحدة، قبل أن تنتبه الصورة لنفسها وتتمزق؟"... أهملت سكرتير التحرير الذي ظل ينتظر بأدب أن أسلمه المقالة. نسيت رفوف الكتب، نسيت الغرفة، نسيت أني في مكتب جريدة حيث أعمل، ورحت أهذي وأشتم عفن الصورة وأهدد العلبة أن تتوقف عن مناكدتي وأتعرّق وأتعرّق. الرعشة "الرگلة" في يدي تنشط دون انتظام، لهاث وخفقان قلب، حمّى في الرأس، يا إلهي، ابنك يوسف سينفجر! سأنفجر، سأنفجر..
ـ آها.. اسمك إذن يوسف!!
لكنه لم يسمع تعليقي.
ـ اهدأ! اهدأ! اهدأ يا يوسف!! صحت بنفسي. لقد أنجزت معظم المهمة، رغم الأخطاء. والآن. استراحة. استراحة بسيطة... لم يبق عالقا في العلبة سوى جزء صغير من الصورة، فلماذا لا تنظر، بحذر واحتراس، إلى الأجزاء "المحرّرة" منها؟ حسنا.. قررت أن أنظر،.... ونظرت.
وعندها حلّ الصمت. صمت يشبه موسيقى في فيلم يعتمد الاثارة والتشويق. رفعت كأسي وقلت له:
ـ خِزونط هايد!! Gezondheid!!
فأجابني:
ـ بصحتك!!
ولم يشرب من الكأس
..........
ـ أصابتني صدمة.
قال:
ـ انقطع نفسي. توقفت نبضات قلبي ثم عادت.... كيف وصلت صورة أمي إلى العلبة، كيف؟ قل لي كيف؟ الاسم؟! الأيقونات؟ الأيقونات.. أين اختفت؟ الآثار، الخطوط... ماذا تريد مني؟ أتعرف ماذا تريد مني؟ أتعتقد أنها انتقلت إلى...... أتعتقد أنني انتقلت إلى جوار ربّي؟!! اللغة. اللغة.. لا شيء في بيداء رأسي سوى اللغة!
وبقبضة كفّه الثقيلة محق رأسه.

ـ كيف التصقت صورة أمي بالعلبة! كيف نسيت أمي فلم أعتنِ بصورتها، ولم "أقلّب" ذلك المستطيل الصغير الضائع من محفظتي زمناً طويلاً ثم نسيتها وعثرت عليها في هذا الحطام؟

وأخرج من قميصه علبة كبريت تشبه المتحجرات وهزّها بوجهي حتى تساقطت أعواد ثقاب كثيرة وراح يدعسها بكفيّه. جسده يشهق دون توقف. بتركيز عميق راح يدقق النظر بأعواد الثقاب. يهز علبة الدبابيس حتى تتساقط الدبابيس الصدئة وتكوّن جوقة أخرى. جرّ قدميه جرّا من تحت الكرسي وكأنه يخلع جذع شجرة...

كان قلبه معتما، وفي رأسه غيمة بيضاء.

12. إلى التفاصيل

يظهر أثناء المشهد نص على الشاشة من خلال بيمر وليس عن طريق العدسة المكبرة.
خلفية الشاشة پارك جميل فيه نافورة يتوسطها قزم:
ﭭيسفولد مايرهولد.

في حديقةٍ ربيعيةٍ آسرة. يتغيّر الإيقاع الداخلي، يمتقع وجه وترتجف يد وتطرق قدم بوابة الأرض. حركة إلى مكان تعرفه القدم جيداً. يعصف الفضاء بالمباني العاليات كريح تقتلع ما أمامها. يتبخّر الإسفلت في لهيب الشمس. تتقزم الأشجار وتستحيل عشباً في طريق متهدّم تعترضه شواهد مكتظّة وممتدة على مرأى البصر.. القدم تسير بطيئا، سريعاً يلهثُ جسد. تتقهقر القدم، تتمسح بالتراب وتتزود بالجلال قبل أن تتقدم. تتقدم يد وتمسك بمقبض الدرج. الدرج ينقتح. الدهليز يبعثُ أحاسيس غامضة. باب حديدي بارد يزرع الرعشة في اليد. ريح باردة خلف الباب مكسوّة بأبخرة. لم آتِ إلى هنا لرؤية أجدادي ولا أحفادي.. فقط، أود مشاهدة وجه أمي الذي لن يعود.

ـ أنا لا أفهم أي شيء مما تتحدث به. احك لي عن تفاصيل ما. التفاصيل.

أقول له بإلحاح. فيجيبني بلغة إلهية:

ـ أتعرف معنى أن تقتلع أمك صورتها من وثيقة الأحوال المدنية العراقية وتعود إلى العراق بدون وثائق في زمن صدام؟
ـ لا. لا أفهم.
ـ أقل عقوبة على هذا العمل كانت الاعدام....
ـ لم أفهم!! وما هي أكبر عقوبة؟!!
ـ هل تعرف صدام حسين؟
ـ نعم. في الصحافة والاعلام.
ـ وهل تعرف ما يفعله صدام إذا ما تلفت وثيقة رسمية من أم شخص معارض له؟ ثم هل تعرف معنى أن تتخلى أمك عن حياتها لأجل أن تعطيك صورة؟ مكثفة في صورة؟
ـ علاقتي بأمي ليست بالمعنى الذي تفهمه. احك لي عن تفاصيل ملموسة. احكي لي بالملموس.

وكأنني بذلك الالحاح كنت أن افتح آلة دماغه، أفحصها وأفككها وأعيد تركيبها.

ـ مئات من الرجال المعادن الصدئة. حشود رجال من ثقاب. قوس قزح من الألوان. الألوان تغطي الدبابيس المعدنية حتى تستحيل بشرا أقزام. الألوان تشتعل في رؤوس الرجال الخشب. تتمايز الألوان عن بعضها، وعلى نحوٍ مباغت تختلط ألوان المواكب..
ـ لم أفهم. احكي بالملومس. عرّج على التفاصيل.
أقول له.

ـ إلى التفاصيل! تكسو الألوان جسد كل دبّوس على حدة. تترنح أعواد الثقاب. تنهض الدبابيس.

يغني نشيدا حسينيا

ـ النساء يقفن وسط ليل مستنسخ clown من العباءات. الدموع على نحور النساء. الرجال مشتعلون نارا وفحم! وفي رأسي تراتيل ومواويل نسائية.

يغني واحدة من طقوس التعازي الحسينية

ـ ترتفع مواويل النساء مثل أيادي تهيل التراب على قبر أعز مخلوق في وجدان العراق.. عبد الكريم قاسم.. عبد الكريم قاسم..

يغني

ـ يا حبيبي يا حسين، نور عيني يا حسين..................... ليلٌ ساكنٌ كدمٍ متجمّدٍ يخدشه عويل يرفع العلبة. يمشي العويل بها لتصبح أشبه بتابوت ويقودها إلى عتمة المكتب. غرفة تعذيب مظلمة... يا لأصابعي، يا للدبابيس... كلّهم يحفرون قبرا، إنهم ينقبّون! صورة أمي الملتصقة بالتابوت تغور أعمق، تختفي، وبين الأنين والطقس والوجوم والليل يطلّ وجه أمي كمومياء... "المسوخ تمرق حول أذنيّ".

ـ ستجنني هذه الاستخدامات اللغوية!! ما معنى "المسوخ تمرق حول أذنيّ"!!
كنت أقول له وأكتشف بشكل غامض سحرا ما في الرجل.

ـ يا للدبابيس، يا رجال الخشب! أعواد الثقاب تختفي تحت تابوت أمي، وبين الطقس والوجوم ترفع الدبابيس وجه أمي مرة أخرى.
ـ احك بالملموس وارحمني!!
قلت وكأني أصرخ به.
ـ إلى التفاصيل!!! وجهٌ عشتاري.. جسدٌ إلهي مطهّر بمياه سومر.. رائحتها تسكن في البخور. رائحة البخور تسكن في الصلاة. الصلاة قادمة من البيت المقدس. تلك التفاصيل كانت تضمّخ جسد أمي بالطيب. الموكب والغيوم والعويل يسيرون. مسيرة في ليل من مطر واجم ورحلة أبدية.

صمت

كان واضحا أن السيد يوسف إبراهيم العراقي يمارس طقسا على طريقته الخاصة. كان نفسه بكل وضوح. "He was him self " وخاض طقوسه دون أن يجامل أحدا... لقد أحال جاري علبة إلى تابوت، صورة إلى جسد، وتحوّل بدوره إلى امرأة تندب، تمزق صدرها وتلطم على رنين العظام.. تقفز فوق أرض المطبخ وتدق فتجيبها عظام القفص الصدري. رأسها، أو رأسه يستحيل طبلا تهتز جلدته وهو يقرع الجدران. يتكثف رنين الرأس ويستحيل شهقاتٍ متقطعةَ ينفثها فمها الفاغرِ.. يعزف جسدها نشيدا "بدائيا" بداءة الحزن والخوف. جسدها أم جسده؟ لعنةً؟ تعذيباً؟ كاثارسيس؟ لا أدري.

صمت

ـ ولكن، ترى، هل ماتت أمي فعلاً، أم هي خيالات المنفى؟
يسألني بعد أن توقف فجأة بمزاج مناقض لكل ما حدث! وكأنه لم يبحر في كل تلك العواصف!
ـ لا أدري.
أقول له.
ـ لا أدري.
يقول لي.
وكان عازفا عن كل شيء.
هيكل أجوف!!
قلبه معتم، وفي عقله غيمة بيضاء.

13. طقوس الصمت

موسيقى طويلة

ـ فقط، أود مشاهدة وجه أمي الذي لن يعود.
صرخ وكأنه يطرد كابوس العدم.

موسيقى

14. في البدء كان

يظهر النص التالي على شاشة.
في خلفية الشاشة تشابيه حسينية.

كان يا ما كان في قديم الزمان، لا خيال، لا أنس، لا جن، لا شئ في البدء سوى الزبد يجلّل اليّم. الإله شمش لوحده يترحل. غيمةٌ بيضاء تغلي. شكل من أشكال المادة الغازية.
الغيمة البيضاء تطير بجناحين إلهيين. يحبل صدرها بنطفةٍ رماديةٍ تنفخ نفسها وتنفخ حتى تصير خروفا. ويتحول شكلها من خروف أليف إلى ثور وحشي. كان يا ما كان في كابوس الزمان رجل اسمه يوسف. غادر الرجل أمه العنزة السماوية دون أن يُعلمها، وعاش في بيت الطين، المعبد.
أمطرت السماء طوفاناً جرفَ بيت "الطين" واقتلع النخلة. أما المقبرة المشيّدة فوق قضبان عجيبة الطول، فقد أزهرت قبوراً جديدة.
وكلما انحسر الطوفان راحت تمتد إلى اليابسة الجديدة وتلد قبورا.

يوسف يجلس على كرسي في المطبخ، يحدق بمنفضة السجائر المدلهمة بالدخان والجمر. لم يكن سوى غيمة في العدم. وبدلا من الاحتجاج على اشعال تلك الكمية الخرافية من أعواد الثقاب في المنفضة وجدت نفسي أحتضن الغيمة أمامي وأخفيها بين ذراعيّ.

تعانقنا وكأن كل منا متيّم بعزلة الآخر... ريلكه.

ـ لا يجب أن تفكر دائما بأن علبة الكبريت تابوت وتستغرق في فكرة أن أمك ميتة.
قلت له.
ـ أعرف ذلك.
همس لي وأضاف:
ـ كادت الصورة تتمزق قبل أن أهرب من غرفتي.
ـ لن تتمزق. اطمئن!! سأفكك المعضلة وأعيد تركيبها بالطريقة المطلوبة!
ـ هل تستطيع أن تجد حلا؟
همس يوسف مرة أخرى..
.........
أفرغت مياه الإبريق الحديدي في إناء عميق وضعته على الطاولة.
ـ ضع العلبة الكرتونية في الماء.
قلت له.
ـ ستتشرّب الصورة بالماء، وبعدها ستنفصل الصورة. تماما كما نفعل مع طابع بريدي. أعطني العلبة لو سمحت وسأريك.
فم فاغر بشكل غبي وعينان تحدقان بي وكأني اكتشفت بوابات العالم الآخر.
ـ الأمر بسيط جدا. أعطني العلبة..
يوسف، وكأنه انبعث من عالم الموتى، يراني أقرّب الإناء. يدفع الصورة والعلبة على عجل في الاناء ويحرّك الصورة داخل الماء، ويحرّك، ويحرّك، ويحرّك، لكي تتشبع الصورة بالماء، وفجأةً:
ـ يا إلهي! سأغرقها في الماء. إنني أخنقها في الماء. إنها تغرق. إنها تغرق.
صرخ بلوعة شخص يحب المواقف الدرامية. عندها صحت بوجهه:
ـ دع الأمر يأخذ مجراه الطبيعي!! تعال.. دعنا نشرب قهوة!!
وبعد مشهد: "إنني أغرقها في الماء. إنها تغرق. إنها تغرق." جلبت قهوة قوية.
صمت.
قهوته بين أسنانه.
شفتاه تخفيان ببطء صدأ الأسنان.

رياح تهب في الديوان.

بهدوء تتشبّع الصورة والعلبة بالماء.
بهدوء تنفصل الصورة عن كرتون العلبة.
بهدوء يدقق يوسف في استدارة الوجه داخل العباءة، في العينين، الفم، الوجنتين.
ـ هنا بعض التلف.. انظر!!
بهدوء يقول لي.
ـ ملامحها صارت مثل التجاعيد.
بهدوء يقول لي.
ـ شقّ صغير هناك، أتراه؟ وذلك الخدش؟ بعض الألوان الصدئة تغلغلت كجراح في ملامحها.
بهدوء يقول لي فأجيبه.
ـ أتركها في الماء. أتركها إلى الغد حتى يزول الصدأ، وسنعود فننظفها ونرتّشها ونعيد لها ألوانها الأصلية..

15. توازيات

السبت قبل الغروب
يسألني يوسف، دون مقدمات:
ـ هل تفكر بأمك؟
ـ أمي؟
ـ هل هي ميتة؟
ـ أمي.......
أقول، وأبحث في ضباب رأسي عن أمي. ذاكرتي لا تسعفني..
ـ لا أدري لو كانت أمي أصلا على قيد الحياة في يوم ما؟
أقول له.
ـ هل هي في دار العجزة؟

فجأة وبعفوية لم أعهدها بنفسي أسمع صوتي يقول:
ـ هل تذهب معي لزيارة امي الآن؟
ـ لم لا!
قال لي.

موسيقى

لم أفكر من قبل فيما لو كنت أحب أمي أم لا. ولم يخطر ببالي أن أمي ـ التي لم تحيا ـ يمكن أن تموت!
أمي عادة موجودة منذ الطفولة.
مائدة الفطور، جبن الفستق، تعبئة الجوارب بأقدامي الصغيرة واحتجاج أصابعي التي تتعرض لتكة من اصبعها بشكل منتظم.
وأمي كانت دائما مشغولة.
تعمل نهارا في البريد، وعندما تعود مساء الى البيت، تستعيد عادة الصباح مع بعض التنويع:
مائدة العشاء، البطاطا المسلوقة الوورست والتفاح المطبوخ. على المائدة تتشكى من بعض زملاء أو زميلات العمل، أو بعض الزبائن. في المناسبات الكبرى تذهب إلى الكنيسة لتختلي بالكاهن، في غرفة الاعتراف، ثم تعود بعد ذلك راضية لتستقبل أحد زملاء العمل أو الزبائن في فراشها خلسة. هواية ظلت تمارسها حتى فقدت سحر الايروتيك.
وأمي ظلت مشغولة دائما حتى بعد التقاعد.
حين أذهب في "ويك أند" ما الى القرية لزيارتها دون موعد مسبق يسكنني هاجس أنها ستقول ككثير من المرات أنها مشغولة جدا، وأنها تفضل أن نحدد موعدا مسبقا لزيارتي.

16. تيريزا

مساء السبت..
تيريزا مارتينز، أمي، تلتقي يوسف. تشعر لوهلة بارتباك وخجل من وجود أجنبي في بيتها.
بعد ذلك، وربما للمرة الأولى، تشعر أن لديها ابن.
الابن يحكي مع روحها، يعتني بشالاتها الطويلة ويصرّ على أنها عباءات، يرتب المناشف المنقوشة بالزخارف مؤكدا أنها سجاجيد صلاة مسيحية من النوع النادر، ويعتني بالصليب المعلق بجلال.. يشعل له الشموع ويضع البخور مرددا: ما أشبه المسيح بالأم!!

مساء الأحد..
بعد أن تناولت أمي البسّه ژينيڤر Bessejenever لم تتردد في رواية حكايات ليوسف لم أسمعها أبدا من قبل:
ريح الفجر والموسيقى. عباد الشمس وفان كوخ. الكراهية "المقدسة" لكارمينا بورانا. كم مرة مزقت الأجنده. كيف شرشحت المعلم الذي طردني من الصف. كيف أرسلت أبي الى السوپر ماركت بدون قائمة مكتوبة. كيف اقتلعت الأقزام المتحركة من حديقة المنزل وأخبرت أبي أنها هربت!!

يقرأ في ورقة

أين وصلت؟؟
....
دريد ابراهيم.. ابراهيــــــــــــم دريــــــــــــد، عزيز السيد جاسم... آزيز، بنت الهدى، سلام عادل.. آ.. آ. ع... ع.... عادل سلام. عدنان خير الله طلفاح. طلفاااااح. ط.. ط.. ط.. ط.. حرف صعب.!! العين كذلك: ع عبد الخالق السامرائي. موهامّد باكر السدر. الصدر بـــاقر موهامد. عادل الشعرباف. طالب السهيل. أحمد حسن البكر. ماهر كاظم. كادم. موهامّد آييش. عايش. شفيك الكمالي....
.....
نعم! مرة أخرى أسماء!! لائحة بأسماء عراقيين قتلوا في عهد سادّام. صدام هوساين.. حسين.. أسماء صعبة!! ومع ذلك قررت أن أتعلم نطقها. تمارين.. قضيت أشهر!!! لا ادري كيف تمكن السيد سادّام هوساين من حفظ تلك الاسماء ومن ثم قتل أصحابها. من جهتي ما أزال أعاني من عدم حفظ جزء يسير من تلك الأسماء رغم الاتفاق الجنتلمان المعقود مع نفسي!
.....
ـ لو كنت في العراق لقتلوك.
قال يوسف.
ـ لماذا؟
قلت له.
ـ لأنك تجرأت وقدمت استقالة من شركة عملاقة ورفعت دعوى قضائية؟
ـ آه.. أه.. أنا.. لم..
ـ لم ترفع دعوى قضائية؟
ـ لا فائدة من مثل هذه الدعاوى. كثير من الوقت وخسارة مؤكدة.
ـ ولماذا ذهبت الى المحامي إذن؟
ولم يتركني أجيب. كان يجيب نيابة عني:
ـ خذلك المحامي؟ بالطبع! المحامون يتبعون القانون. القانون والعدالة في صالح الأقوى. أعطني عنوان الشركة وسأنيچ أخته!!
ـ لا داعي لهذا يا عزيزي!
ـ كيف يتجرأ كيس الخراء الألماني على أن يضع تمثال لينين كقزم في نافورة تتبول فيها الكلاب السائبة؟
ـ يوسف.. هنا لا توجد كلاب سائبة
ـ بل توجد!! أنت لا تفهم ما أعني
ـ لا داعي للتوتر...
ـ أعرف عددا من الموظفين الكبار هنا. يستطيع أي واحد منهم أن يركّع أكبر شركة مقابل مبلغ من المال.
ـ يوسف عن أي شيء تتحدث؟
ـ دعني أحكي مع واحد منهم لكي أنيچ أخت الألماني وسترى
ـ أن تضاجع اخته فهذا موضوع ممتع للأخت ولك. كل النساء تحب الجنس وبخاصة الجنس مع الأجانب.
ـ .................
ـ هذا نظام صارم أنت لا تعرفه جيدا ولا تستطيع أن تخترقه. قانون مرسوم بدقة على المقاس.
ـ إذا ما فكرت أن المعركة يجب أن تتم بناء على شروط النظام الذي صنعوه لن تمحق النظام. إذا أردت أن تنتصر عليك أن تتغلغل من خلال شروخ النظام. وكلما ازداد النظام صرامة اتسعت فيه فجوات لا يدركها.
ـ لا داعي لكل هذه الدهاليز. هذه قصة قديمة جدا. انتهت بتقديم استقالتي والتنازل عن حقوقي!
ـ تنازلت عن حقوقك؟ مجنون؟ أنا أعيد لك حقوقك.. سأختطف ذلك الألماني النازي وأدفنه في قبو البيت وأضع السيف على رقبته حتى يدفع مستحقاتك.
ـ لقد تنازلت عن كافة المستحقات. تركت لهم كل شيء قبل عشر سنين.
وغيّرت الموضوع بطريقة تفتقد اللباقة.

18. بدون تعليق

الاثنين صباحا.
لن أبدأ اليوم بالتمارين المعهودة. لا ماكسيم گوركي، ولا سلام عادل، ولا جوزيف ستالين، ولا اتفاق جنتلمان مع النفس!
.......
يوسف ابراهيم يقلي بيضا.
أمي تشرب قهوة.
وأنا أكاد أزحف إلى حضنها.
أثاث البيت الذي طالما تمنيت أن يحترق.
الكيـﭻ الذي يزخرف الجدران.
زهور الحديقة.
حضيرة الخنازير.
قبر القط "مـ. نـ. و". ألبومات الصور.
الصليب.
أوربانوس Urbanus .
تلك كانت أمي.
تلك الأشياء كانت ماض شخصي لي.

19. إلى الغد

يظهر النص القادم على الشاشة.
في خلفية الشاشة تظاهرات سياسية عارمة.
إيقاعات.
الرياح مستمرة.

50 طريقة لمغادرة الحبيب.
.......
وحلّ المساء.
.......
وجاء المساء مسكوناً بالسكارى، وجاء المساء منتفخا بالروتين،
وجاء المساء مسبوقا بصداع طوال الصباح،
وجاء المساء بالميلانخوليا،
جاء المساء بالوجود، بالعدم، بالأحزاب، باللجان، بجلسات السكر، بالصداقات، بالعداوات، بالنذالات، باللعنات، بالرذالات، بالعهرات، بالمنفات، بالحروبات، بالزنزانات، بالكامپات، بالدمعات، بالمرقدات... الجحيمات الدائمات، الراديوات الدائمات العويل حول الضحايا والإقتدارات والأمريكانات والحواسم وأم الحواسم وأم المعارك وأم العيورة والفرس والمجوسات والقادسيات وعراق يمور بالزرافات ليل نهار بناءً على التعليمات السريات المجنزرة الصادرة عن مجلس قيادة القندرة، مكتوب مكتوبين أودّيلك، وبكل قصيدة نصّي يحجيلك، كتبي ومقالاتي.. أعد، أعد، أحسنت، والكل يكذب.. أياد الأزبري، جمعة الخرخري، خميس العنبري، أربعاء القندري، ثلاثاء الهندري، اثنين السرسري، سبت السبّوتة، هسّة تجي الحوتة، والحوتة وين أضمها، أضمها بصنيديگي، صنيديگي شلون أفتحه.. يا ربّي.. مطرّها يا ربّي.. مطرّها.. يا ربّي.. يا ربّي.. يا ربّي.....
......................

تتصاعد الإيقاعات وترتفع طواحين هواء فوقها أعلام:
علم العراق 1958.
علم الاتحاد الأوربي.
علم بلجيكا.
علم ألمانيا النازية.
علم الولايات المتحدة.
علم إيران
... الخ.

20. الجسد يصرخ دونما صوت

الاثنين مساء.
يوسف ابراهيم ينتظر عودة إيريك مارتينز إلى البيت.
في المطبخ ينظر يوسف وإيريك إلى الإناء.
الأم تحت المياه.

بحر ساكن.
بقايا صورة متناثرة
شظايا.
بقايا تطفو على صفحة الماء
في قعر الإناء حطام.
صمت.

إيريك يختلس النظر.
بقايا سوداء.
شذرات بيضاء وبنية ملتصقة على صفحة الإناء.

إيريك يبحث عن الوجه لكنه لا يرى سوى خثرات رمادية أو حبر رمادي.
بقعة خالية الملامح،
ملامح مجعوصة على بعض.......
لون طيني يلتصق بالحاشية، حاشية الإناء.
في موضع آخر ندبةٌ صدئة تعوم تائهة.
شظايا بلون أسمر، وأخرى بلون أسود، كبقية من عباءة.
شظايا فاتحة اللون أصلها ملامح وجه.

ماء صامت
صحراء ضيّقة
رميم منتشر
غروب وجودي
وجسد يصرخ دون صوت.

الرياح تهب الآن في اتجاه آخر.
صورة الأم تظهر إلى جانب الأعلام.
إيريك عاري.
الرياح تعصف بكل شيء.

Antwerpen
29 Maart 2007

عند مرقد السيدة -1 د. حازم كمال الدين

يوسف ابراهيم:
عراقي مرسوم في لوحة زيتية أجواؤها العامة صحراوية. يوسف، ليس شخصا. بل سرج بعير رابض فوق الرمال.
إيريك مارتينز:
بلجيكي ليس مرسوما في لوحة. إنه تمثال حين يتفتت تعود إليه الحياة، وحين يتماسك، يموت. إيريك رجل يشبه رمال متحركة.

http://www.arabesque-international.com/almajala/ar/article1630831.html

delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google