قراءة في كنه حضارة القرن الحادي و العشرين

شاء القدر أن تنكمش أمتنا انكماشا شديدا لمدة تزيد على عشرة قرون بعد أن كانت قوة سياسية وفكرية كبرى انبسط سلطانها من الصين إلى فرنسا , وكانت عاصمتها بغداد قبلة ٌ يحجُّ إليها الناس على اختلافهم من علماء وفقهاء ومفكرين وشعراء وكانت لغتها لغة العالم المتحضر وازدهرت فيها الحضارة بكل نواحيها ولطالما اهتم الإنسان بالمستقبل منذ بدء الخليقة وحاول أن يرسم صورة للحياة المستقبلية وذلك محاولة فيلسوف الإغريق الشهير أفلاطون بناء المدينة الفاضلة في عمله الخالد :جمهورية أفلاطون التي ستحقق للناس السعادة والرفاهية وأدرك أن الماضي والحاضر يؤثران إلى حد كبير في شكل المستقبل المنظور وأن العقل والمنطق أثرهما الأقوى على الأمم المتمدنة .
المدخل الرئيسي هو ترسيخ الفكر العلمي بمعناه العام في قاعدة الهرم وفي قمته على سواء,
ونتذكر تاريخ الشعوب في آسيا التي كانت موطن الحضارات في الفن واللغة والفلسفة والفلك والرياضيات والاختراع, في الوقت الذي كان الأوربيون يصطادون حيواناتهم بالفؤوس .
فالعلم نتاج فكري والتقنية نتاج عملي وكلا النتاجين يحتاجان إلى بيئة اقتصادية واجتماعية وسياسية مواتية وبدونها يصبح العلم مقعدا والتقنية مكمّلة ..
الاكتشافات الجديدة التي فجرها العلم من أجل حاجات الإنسان ورفاهيته ولا نملك إلا أن نقف أمامه مبهورين إنها ثورة العلم إنها التقنية فالإبداع والقدرة على استيعاب التقنية ضوان متكاملان..
فالتقنية سبقت العلم وتطوير البحث العلمي في الجامعات فالإنسان عرف التقنية عندما بدأ يشبع حاجاته البسيطة والإنسان البدائي مثلا اخترع النار عندما اكتشف أن أكل اللحم الطازج ألذ ّ مذاقا, فعلى الرغم من أن الإنسان في الماضي كان يكد ويشقى من أجل لقمة العيش وتوفير أسباب الراحة لنفسه و لأسرته إلا أنه كان سعيدا بحياة البساطة التي كان يحياها ومن دواعي الأسف أن تتحول التقنية إلى سلاح للشر, لقد تفنن الإنسان في هذا الزمان الغامض في صنع مختلف الأسلحة الفتاكة وهو في كل يوم يبتكر المزيد من وسائل الحرب والهلاك ما يكفي لتدبير العالم عشرات المرات إنها حرب فناء الأرض وما فيها ومن عليها فالمآخذ على الحضارة الكونية المعاصرة أنها تؤمن بالمادة أعمق الإيمان بدليل ما تنفقه تفوق الخيال على أسلحة الدمار أما قوانينها التي تتعلق بالقيم الإنسانية فإنها تعتبر زخرفة من القول لا تقدم ولا تؤخر إزاء هذا الطغيان المادي الخطير يضمحل الجانب الثقافي والفكري ويختل التوازن , وتضجر القيم, ويشعر الإنسان بالضياع ويتلوه الاكتئاب, ويصاحبه شعور قوي بتفاهة الحياة .
وقد يؤدي مثل هذا الشعور إلى شيوع ظاهرة الانتحار مللا من الحياة وتشاؤما من المستقبل,فالسويد مثلا تحتل المرتبة العالمية الأولى في قائمة ضحايا الانتحار.
القلق سمة عصرنا هذا والخشية من المستقبل من علاماته البارزة وسماته المميزة قابلْ أي إنسان مهما كان شأنه ومركزه في المجتمع لشكا لك من حاضره ولأطلعك على ورى القلق الذي يساوره وهو يستشف المستقبل الذي هو مقدم عليه.
إن خلايا أدمغتنا ليست قاحلة في استنبات العلم والتقنية في أرضنا فإن حزمة العناصر المؤثرة في تعويق استيعابنا لتقنية العصر متعددة وكثيرة.. فعقبات الاستنبات والتطوير كثيرة ولكنها ليست بالضرورة مستحيلة التنفيذ واستنباتها يستلزم قاعدة اقتصادية موحدة واجتماعية متقدمة وسياسية صائبة وفي مقدمتها احترام العلم والمبدعين.
إن إصلاح الخلل في الهياكل الثلاثة الاقتصادية الاجتماعية السياسية مهمة وطنية نحن في مسيس الحاجة إليها , والتقنية التي نتباهى بها تزول بمجرد غضب الغرباء علينا من هنا يجب علينا أن نبدأ بالتفكير والتخطيط لمستقبل أمتنا بالسباق العلمي والتقني واستنباته في أرضنا المعطاء –مهد الحضارات-والتركيز على قيمنا الأصيلة وفضائلنا الكريمة السمحة.
عِلتنا الاستنزاف الأكاديمي, ونزيف الأدمغة, نحترم العلم ولكننا لا نقف بجانب العلماء والمبدعين .
الأمم المتقدمة تبتعد عن العاطفة في معاملتها لجماهيرها إلى حد كبير إذ أنها لا توكل الأعمال المهمة إلا لمن هو قادر على القيام بها وهذا لا يعني أن أفراد الأمم الراقية ملائكة أو أنهم معصومون من الأخطاء ..لا يصدر عنهم خطأ أو لا تزلّ بهم قدم والأمثلة على ذلك كثيرة أكثر من أن تحصى كقصة وفضيحة ووترجيت فقد اكتشفت الصحافة الأمريكية أنّ رئيسها نيكسون سلك نهجا غير أخلاقي لينجح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية وما أن نشرت ذلك على الناس حتى جرى تحقيق دقيق أدى في آخر الأمر إلى عزلة عن رئاسة الجمهورية ..طائرتان تصادمتا في الجو في اليابان فما كان من وزير المواصلات أن قدّم استقالته .
في الأنظمة المتقدمة الثروات هي ملك الشعب لا يجوز أن تستخدم إلا في طريقها الصحيح أما في النظم الشمولية فإنّ ثروات الشعب هي في الواقع ملك للمهيمنين على الأمر لهذا تجد خطب رؤساء الأنظمة الديمقراطية وبياناتهم تؤكد عليهم أنهم يؤدون واجبا وطنيا يقومون به ولا يسهبون في ذلك أما بالمقابل (الأنظمة المتخلفة) فإن خطبهم وبياناتهم مطولة مليئة بالمنن على الشعب وأنهم يصدّقون على شعوبهم صدقات وعلى الشعب أن يكون ممتنا وأن يقدر ما يقوم به المسؤولون من أعمال جليلة .
في الأنظمة المتخلفة أصحاب المناصب العالية في مكانة مرموقة تجعل الناس لا يجرأون على تصحيح أخطائهم أما أنظمة الحكم في الأمم الراقية تعتمد على إرادة الشعب عن طريق الانتخابات الحرة بواسطة صناديق الاقتراع.
أما في معظم أنظمة الدول المتخلفة فان أنظمة الحكم تعتمد على قوة السلاح وانتخاب صوري شكلي هزلي مضحك ومبكي في آن واحد ..
إذ لا حياة مع اليأس ستلد أمهات أمتنا عظماء كما ولدت في الماضي التليد ونعود من جديد نغرس آفاق العلم والمعرفة والتقنية في أرضنا الخصبة ونصدّرها إلى غيرنا كما كنا في غابر الأزمان والبقاء للأقوى..


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google