3 قصص قصيرة من مجموعة "اقباليات" د. الياس المدني

عباءة جدي

الى روح جدي الشهيد الياس المدني

لايزال واقفا هناك في عمق ارض الدار وراء شجرة الخروب. منذ فتحت عيني على هذه الدنيا ومنذ جمعت في ذهني اولى الذكريات كنت اراه واقفا في المكان ذاته شامخا باسما يظلل عرائش الورد الجوري والفل البلدي. تمتد قامته لتلقي بعض الظلال على احواض النعنع الذي كانت جدتي ترويه صباح مساء ببسماتها وحكايا الجن والعفاريت.
اذكر احد ايام طفولتي، حينما اصابت حرارة الشمس جارتنا الحبلى وكادت ان تفقد وعيها، فامسكت به واستندت اليه، حتى اتتها جدتي ببعض الماء البارد. ضحكت وانا اراقب هذا المشهد. قالت لي انه دائما يعاكس كل صبايا الحي.
يوم هاجم الصهاينة قريتنا بقي واقفا في مكانه يصد بصدره طلقات الحقد عن الاهل والجيران. بقي حتى حينما غادر الجميع يتحدى كل القوى المعادية.
في الصورة التي ارسلتها لي صديقتي من فلسطين لا يزال الجدار واقفا في مكانه وعليه اثار الرصاص، سقطت منه بعض قطع اللبن ولكن الى جانب شجرة الخروب لا يزال هناك مسمارا كدت ارى عباءة جدي معلقة عليه.

***

رغبة ليلية

ترتدي عباءة الليل فتسرق خيالي وتهرب معها الكلمات.
احيك لها ثوبا من الاحرف، البسها اياه، فتنهرني القصائد وما تبقى من الذكريات. اوضب لها من حرير الشعر سريرا كي تنام باسمة، فاصحوا على ابيات كتبها الشعراء قبلي. تقتلني الرغبة، فامد يدي، اخلع عنها عنوة عباءة الليل فترتدي احمر الخجل كيلا تداعب نظراتي نهد القصيدة. فاقف عاجزا عن لمس القوافي.
امسك بها عارية، اضمها الى احلامي، اشعر بحرارة انفاسها تداعب شاربي، اقترب اكثر، ارى بريق الرغبة في عينيها يضيء هذا الظلام. تتعمشق رغبتي على كفيّ، يزداد خفقان قلبي. لم يبق عليها سوى كحل الحروف ونظراتي.
اشعر بلذة شديدة حينما ترتدي القصيدة ثوب الكلام وتزين نهديها بصور تتنقل الحنين من قلبي الى رحم القوافي.

***

الجارة

عند كل صباح ما ان افتح عيني وانهض من السرير حتى اهرع الى النافذة. حتى قبل ان اغسل وجهي او اتناول فنجان قهوتي، كنت اشرع النافذة كي اراها.
في كل صباح كانت تستحم بالندى، تقف شبه عارية مبللة على الشرفة، كأنها تستجدي اشعة الشمس، فتثيرالرغبة بي كي اضمها الى صدري وان استنشق عبيرها اللذيذ.
كانت ترتدي ثوبا حريريا سندسي اللون وعلى كتفيها شال من المخمل الاحمر، يداعبه نسيم الصباح بمرح ولطف.
كم كنت اشتهي ان اقضم شفاهها واستنشق عبيرها لاعرف مدى اللذة الذي طالما حلمت به.
في ذاك الصباح حينما نهضت الى النافذة المطلة على شرفتها احزنني منظر ها وقد قطعت ووضعت في اناء زجاجي به بعض الماء. بعد ايام ذبلت الوردة ورأيت بقاياها في حاوية الزبالة.


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google