المرأة فى عالم الرجال

بلا شك موضوع مساواة المرأة بالرجل أخذ أتجاهات خاطئة فى مراحل تطبيقه وإرساء مبادئه بين الشعوب خاصة بين شعوب المنطقة العربية التى تفرض على كل قضية مقولة جاهلية عنصرية تقول بخصوصية هذه الشعوب العربية عن سائر شعوب الخالق العظيم ، لذلك يتم الأستغلال الدينى والسياسى للمصطلحات لتقنينها ليتم فى النهاية وضعها فى متاحف الفكر الأثرى لتصبح أقوالاً للأستهلاك السياسى.

المرأة موجودة فى المجتمع وليست غائبة لكن البعض الذى غرق فى أفكار التطرف الدينى والسياسى يعمل بأقصى جهده وبشتى الوسائل الإرهابية على عزلها عن مسار التحديث والتقدم الذى تعيشه البشرية فى كافة بقاع الأرض ، لكنها مرحلة أنتقالية فى عمر العراق الجديد وفى عمر المنطقة العربية والشرق الأوسط الذى أصابه شاء أو أبى زلزال التغيير العراقى خوفاً من زحف الدبابة الأمريكية على كل نظام دكتاتورى.

إن كل ثقافة بدوية نراها فى مجتمعاتنا هى مجرد ثقافة عاجزة عن رؤية المرأة كمخلوق طبيعى مثله مثل الرجل ، ثقافة غارقة فى الأزدواجية التى يهرب بها من مواجهة الواقع فى محاولاته تهميش دور المرأة ووضع قائمة بالممنوعات التى تحجبها عن عالم اليوم.
هذه بعض العوامل الرئيسية التى نراها بوضوح فى مجتمعاتنا العربية الإسلامية ونلمسها بأنفسنا داخل كل أسرة عربية والتى تؤثر فى تحجيم دور المرأة وإضطهادها :
العامل السياسى - العامل الدينى – العامل الإجتماعى – عامل التقدم والتخلف.

العامل السياسى : يتفق الجميع على أن الدول العربية بدأت فى إعطاء المرأة بعض حقوقها المشروعة فى التصويت الأنتخابى والمشاركة السياسية لكنها تظل حقوق يتحكم فى صلاحيتها النظام السياسى الذى يقوده الرجل بأمتياز ، عندما يكون النظام دكتاتورياً يكون رجال المجتمع دكتاتوريين يمارسون سلتطهم الدكتاتورية فى داخل الأسرة ليرى الأبن والبنت أساليب وتصرفات الأب نحو أمهم وينطبع ذلك فى مخيلتهم ليكون نواة المستقبل بالنسبة لهم صراع ذكورى متكرر.

البرلمان هو مكان إلتقاء رجال السياسة الممثلين للشعب ، وتمارس فيه كل أنواع المناقشات السياسية التى تختلط دائماً بعقيدة هؤلاء السياسيين وأيديولوجياتهم التى تتحكم فى صناعة القرارات والتشريعات التى يصادقون عليها ، من هنا يبدو واضحاً إنعدام المصداقية ونقصان الحيادية فى معالجة مشاكل المجتمع بشكل عام ، فكل رجل سياسى برلمانى ينظر إلى طائفته ومعتقده ومن ينتمى إليهم ويقوم بعمل توازن فى حسابته لصالح مصالحه الشخصية أولاً.

الموضوع إذن ليس حقوق ومساواة للمرأة بالرجل ، بل الموضوع هو الدور الحقيقى الذى يقوم به النظام السياسى والمؤسسات السياسية تجاه رغبته وسعيه الحقيقى لتفعيل ما يضعه من قوانين وتشريعات لصالح المرأة ، ودور النظام السياسى فى نشر التوعية الفعالة بدور المرأة فى المجتمع السياسى للدولة ، فإذا غاب هذا الدور أو ظل مجرد شعارات يرددها المفكرون والسياسيون إرضاءً للنظام ، ستكون النتيجة ما نراه يومياً من تكرار النظرة الدونية للمرأة.

العامل الدينى:
يعيش المجتمع العربى الإسلامى اليوم حالة من نقص وغياب الحقيقة نابع من ذلك الطوفان الذى تحالفت فيه السلطات السياسية مع الجماعات الدينية الطائفية والمذهبية وخلفياتها العرقية المختلفة التى تعمل ضد إسهام وإدماج المراة فى صنع حضارة الوطن مما جعل العشائرية والوهابية تدخل فى خلسة بين أفراد المجتمع العراقى وتثير بينهم العصبيات والعنصريات الدينية مما ترك الأثر السيئ على الحاضر العراقى بكافة جوانبه.
الوصاية التى يكفلها الدين للرجل ويتعلل البعض بأنها لحمايتها ، تلك الوصاية هى أداة من أدوات الأضطهاد والألغاء الذى يشرعه المجتمع لأن يمارسه الرجل ضد المرأة حتى تنزوى المرأة بين جدران منزلها وتفشل فى المساهمة الفعالة فى التنمية الأقتصادية والأجتماعية لوطنها، تلك الوصاية التى تقيد حركتها وحريتها وتجعل منها مجرد وعاء ينفذ الأوامر والرغبات الذكورية متى شاء.

ينظر الرجل إلى المرأة نفس نظرته إلى الآخر نظرة تتسم بالتمييز والأستعلاء ، فالرجل العربى هو أعلى من الآخر ومن المرأة بطبيعة الحال ، الرجل أرقى مشاعر ويستطيع التحكم فى مشاعره بعكس المرأة ، الكثير من الأفكار التمييزية التى تحجب الرؤية عن الرجل والتى يمكن أن يبصر بها الواقع الذى يقول له : المرأة والرجل مخلوقان يجب أحترام من خلقهما ولا ندع أستبداد عقولنا المريضة يستولى على مشاعرنا نحو المرأة شريكة الحياة .

تحت وطأة الوازع الدينى ونظرة الرجل الذكورية يتجاهل المجتمع الكثير من حقوق المرأة ويحتقر دورها فى المجتمع والنهوض به وإن كانت الشعارات تمجد الأم بأعتبارها مصنعاً منتجاً للأولاد تستحق عليه التقدير لا أكثر ولا أقل ، لأن ثقافة الشعارات تطغى على ثقافة العمل والممارسات الفعلية ، من هنا كان العامل الدينى عاملاً سلبياً فى توجيه سلوكيات الكثير من رجال المجتمع الطائفى الذى لا يرضى إلا بنظرته الدينية الخاصة وسيظل الصراع الدينى قائماً ضد كل حركات التحرر إلى أن يدخل العقل إلى واقع وعالم الرجال المصنوع من زجاج.

العامل الأجتماعى : لا بد أن نسأل : هل الأفراد يعترفون ويؤمنون بقيم المجتمع المدنى حتى يكون لتلك القيم تأثير مباشر على ردود أفعالهم تجاه قضايا حقوق المرأة ومعاناتها اليومية ؟
من الواضح كما ذكرنا سابقاً فإن العوامل السابقة لها تأثير سلبى كبير على قبول قيم المجتمع المدنى ، أضف إلى ذلك قيام البشر أنفسهم بتفعيل العادات والتقاليد والموروثات السلبية تجاه المرأة ، تلك الموروثات التى تدعم أكثر سلطة الرجل وتسلطه الإجتماعى على المرأة ومحاولاته المستميتة لإنكار وجود مشاكل تعانى منها المرأة والأنثى بشكل عام ، لأن أعترافه بتلك المشاكل معناه إتهامه لذاته بأرتكاب جرائم ضد الإنسانية وأغتصابه حقوق المرأة والفتاة .
الرجل الشرقى يستهلك أفكار التراث ولا يحاول أستعمال ملكة الإبداع الذى وهبها له الخالق ، لذلك نجده يقف موقفاً معانداً ومحارباً قيم المجتمع المدنى التى ستأتى بأدوار كبيرة ومؤثرة للمرأة فى المجتمع مما يعنى أنتصاراً للمرأة وهزيمة لكبرياء الرجل الذى يبتكر ويبدع فى البحث عن مواطن الضعف فى المرأة ومستغلاً السياسة والدين والمجتمع ليسلبها حقوقها وحريتها .
ثقافة الشعب هى ثقافة حالياً قائمة على العنصرية الدينية ، تلك الثقافة التى ينتجها يومياً فكر التطرف والأرهاب والذى لا مجال فيه للتفكير المنطقى بحقوق البشر نساء أو رجال أو أطفال ، الثقافة المذهبية التى تهيمن على الساحة الجماعية للوطن هى التى تعوق النمو الطبيعى للأحترام المتبادل بين الرجل والمرأة وفقاً للنظام البشرى .
عامل التقدم والتخلف :
من العوامل التى تؤثر سلبياً على أن تنال المرأة حقوقها ووضعها الإجتماعى المناسب لها هو مدى التقدم العلمى والفكرى الذى يعيشه المجتمع ، وكلما تقدم المجتمع كلما إزداد إبتعاداً عن أفكار العبودية والتسلط والقمع والسطو على حقوق المرأة وإزداد إحتراماً لشخص المرأة بأعتبارها بشراً مساوياً تماماً للرجل .
الواقع العربى واقع ينطلق بسرعة كبيرة نحو التخلف وبالتالى إلى الخلف ، لذلك فهو لا يسهم فى تقدم الأمم الإنسانية بقدر ما يساهم فى التقهقر والأستهلاك ويعتبر عالة وعبئاً على بقية الأمم المنتجة علماً وإبداعاً حضارياً يرتقى بالبشرية نحو خيرها والتخلص من مشاكل الفقر والظلم والحروب والنزاعات والعصبيات المحلية والعالمية.
دور المرأة هو دور حيوى وفعال ولابد أن يتغلب على كافة الصعاب التى تواجه المجتمع المدنى ، لأن وجود المرأة مثل وجود الرجل فى دفع مسيرة التغيير والتنوير الحضارى الذى يحتاج إلى عملية تربوية لها قيمها الإنسانية التى يتربى عليها أجيالاً من الشباب الواعد والواعى لمصلحة مجتمعه ومستقبل وطنه .
فى كثير من الأحيان نجد معوقات كبيرة تعترض المرأة ، لكن ما يتفوق على تلك المعوقات أن المرأة تساهم بشكل أو بآخر فى تقليص دورها وتسليم حق تقرير مصيرها إلى الرجل فى خضوع المرأة الجاهلى للسيد أى الرجل ، هذا الخضوع والتسليم يقود الرجل لنزع الإرادة والمشيئة التى تملكها المرأة ليضعها فى يده زوراً بأسم القوامة أو رب البيت أو سيد الأسرة وعائلها.
فى النهاية نسأل هل العراق الآن تعيش عراق ما بعد التغيير ؟
التغيير لم يحدث بعد بالصورة الحقيقية للعراق لأن صورة العراق الآن هى صورة تغيير طائفية مسيطرة وعندما يدرك هؤلاء ذلك سيستطيعون الدخول إلى مرحلة التغيير الحقيقى ، ما تعيشه العراق الآن هى مجرد ظواهر تدميرية يقوم بها الكثيرين الخارجين على القانون العراقى والإنسانى لخدمة مصالح سياسية وطائفية مذهبية إلى جانب الدور التخريبى الذى تقوم به بعض الدول فى المنطقة العربية الإسلامية مثل إيران وسوريا لمحو العراق الحر بشعبه وإيقاف مسيرة الديمقراطية التى جاءت على ظهر دبابة الأمريكان .
لكن مع غياب النضج والوعى الإنسانى ، سيظل الفرد يعانى من عبوديته لأفكار الآخرين التى تفرض عليه سياسياً أو دينياً وسيظل فاقد لإنسانيته ولقدراته التى أعطاها له الخالق لكى يتعلم البناء لا الهدم ، يتعلم الحب لا الكراهية ، يتعلم إنقاذ نفس بشرية لا تعذيبها وقتلها.

إن قيام المجتمع المدنى فى العراق هو السبيل الوحيد لعلاج فشل الحكومات الطائفية فى علاج مشاكل العراق ومن بينها حقوق المرأة التى يستأسد عليها رجال الإرهاب ، وتنمية مشاعر المواطنة الحقيقية على أساس الوطن للجميع هو طريق الخلاص من سموم التطرف والإرهاب ، التخلص من صراع القوى الظلامية التى تعيش بعقلية البداوة الوهابية التى راجت سوقها فى عالمنا العربى والعراق خصوصاً.

فى وقتنا الحالى من الصعب على المرأة الأستمرار فى مجتمع يهدر حقوقها ويهين كرامتها ، لكن طبيعة المرأة التى تسهر على رضيعها وتحميه وتغذيه وتربيه أحسن تربية ، قادرة على مواجهة الهجمات المستعرة التى تأتيها من كل مكان حتى فى بيتها ، وقادرة على أن تنتزع فى المستقبل حقوقها وحقوق مجتمعها المدنى الذى يقف أمامه جميع المواطنين سواسية ، ولن يستطيع الرجل أن يصل إلى تلك المساواة إلا إذا أستطاع أستيعاب أن المرأة شريك له فى المجتمع وعليها مسئوليات وواجبات أكثر منه تستحق معها كل التقدير والأحترام ومساعدتها على إنجازها ليتحقق النهوض الحقيقى بالوطن العراقى الذى يحمى مواطنيه ومواطنيه يرفعون أسمه بين شعوب العالم الراقى والمتقدم.

/ ميشيل نجيب - إيطاليا

delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google