ثغثغة عمر حمش في (سيف عنترة)* د. خضر محجز

د. خضر محجز
ثغثغة عمر حمش في (سيف عنترة)*

لا شك أن محور البحث في أي عملية تفسير، ذات قيمة، يجب أن ينصب على دلالة النص: إن على مستوى فحص عملية الإنتاج، أو في البحث عن المعنى. ولئن ركز النقد الأدبي جل اهتمامه، في العقود السابقة، على الاهتمام بآليات إنتاج الدلالة، فلقد استدار الزمان مرة أخرى، وعادت عمليات التفسير النقدي، في المراحل الأخيرة، إلى الاهتمام بالمعنى، وإن لم تهمل الاهتمام بآليات إنتاج الدلالة. باختصار يمكن القول بأن مرحلة الحداثة ركزت، في عهد البنيوية النصية، على الإجابة على سؤال مفترض يقول: كيف يقول النص ما يقول؟. أما الآن فالاهتمام منصب على الإجابة على سؤال: ماذا يقول النص؟.

ونحن في هذه السطور إذ نستفيد من كلا الاتجاهين النقديين: البنيوي اللغوي والتاريخي الدنيوي. نود الابتداء بما بدأ به البنيويون: أعني تعريف عملية الدلالة نفسها.
الدلالة (Significance): هي تلك العلاقة التي تربط بين الدال (Signifier) والمدلول (Signified). وهي ذات صبغة مؤسسية, حيث لا توجد إلا في جماعة معينة من المستعملين لها. وذلك لأن طبيعة الرسالة التي تنقلها العلامة أو الرمز (sign) تحددها ثقافة المؤسسة صاحبة اللغة، أو المجتمع(1). فدلالة الأسود في ثقافة ما هي غيرها في ثقافة أخرى. وقد لاحظنا أن الصينيين لا يحيل عندهم الأسود إلى الحزن، كما هو الأمر عندنا؛ بل إن العكس من ذلك هو الصحيح، حيث يتم التلفع بالبياض الناصع في حالات الحزن الشديد. كما أن طاقة الزهور لا تؤدي رسالة واحدة، في كل الحالات، فهي ربما تمثل تعزية أو تهنئة أو هدية حب... وهكذا.

وفي نص عمر حمش القصير جداً (سيف عنترة) كان الأسود
"عبداً ذاوياً ينحني، على خجل، بين السيقان. رنت عيناه الواسعتان إلى السيف، فسكبتُ دمائي. كدتُ أحادثه، فلم أقوَ. كدتُ ألثم شعره المجعد، فلم أقوَ.. شاقلان. ارتفعت يد وصوت: ثلاثة. وأنا مذبوح"(ص58).
لقد انقلبت الدلالات، وانكفأ الدال على نفسه، ليحيل إلى عكس ما هو متوقع منه في ثقافة الجماعة، حيث لم يعد الأسود يحيل إلى السلب، على الأقل في وعي الراوي، الذي نجرؤ على القول بأنه يحيل هنا إلى المؤلف الضمني (عمر حمش في النص) فلماذا كان ذلك كذلك؟.

إن النص وحده لا يستطيع الإجابة على هذا السؤال. فماذا نفعل؟. لا ريب أن عملية التفسير هنا تقتضي الاستعانة بالتاريخ، لا باعتباره سيرة المؤلف الذاتية، بل باعتباره جسداً نصوصياً يحيل إلى لاشعور المؤلف، خصوصاً ونحن نرى هذا الفيض الهائل من الدوال، التي تبحث لها عن مدلول خارج النص، الخاضع لعملية التفسير.
نحن الآن هنا أمام عنترة العبسي، الأسود الذي يمثل قيمة عظمى، في لاشعور الجماعة. ونحن الآن نراقب سيفه يباع بشاقلين، لا غير. مع أن هذا السيف هو الذي طالما رد كيد الغزاة والطامعين، وحرر السبايا من الأسر، وحرر قبل ذلك صاحبه من رق العبودية الموروث. سيف عنترة يباع في سوق غزة المحتلة بشاقلين!. ولاشعور الراوي يصرخ بألم الراهن:

"يا ربي، ماذا يحدث!. العبد الأسود يذوي، وأنا أذوي، ولا عينان تشبه عينيّ، بل مرح يعلو.. هذا سيف عنترة يا ناس!"(ص58).
وهو يتأمل المشهد الفادح بهذا التكثيف:

"أربعة. أربعة شواقل.. الذؤابتان تتراقصان. القبعة تتطاير معلقة بدبوس يشجني. في عنق العبد الأسود حبل، وعلى خجل يرنو: أين أنت يا عزرائيل"(ص59).
نحن نرى هنا عنترة نفسه، لا سيفه فحسب، يُعرض للبيع في سوق النخاسة، وسط هذا الكرنڤال الصاخب، من الضحكات الصادرة عن كائنات ممسوخة. ومع ذلك فإن الشواقل لا تزداد إلا قليلاً.. يا لله!. ما أهون الفروسية العربية اليوم!. فهل يمكن القول إن مجمل الكلمات المطبوعة هنا هي ما يشكل هذا النص، أم أننا بتنا الآن أمام فيض من الدوال، الغائبة وراء عدد قليل من الكلمات، في كتابة تعطلت أمامها رقابة الوعي؟.

الراوي يراقب دلالاً همجياً "ترتخي إلى أسفل خديه ذؤابتان. رأسه يزدان برقعة مستديرة سوداء". بينما الجمهور ـ المغيب وعيه ـ يهلل تعبيراً عن الاستحسان(انظر: ص57)، غير مدرك أن ما يعرض عليه هنا ليس مشهداً في مسرحية هزلية، بل هو فصل في تراجيديا سوداء عنوانها (شرقنة الذات)(2).

ولقائل أن يقول بأن دلالات السياق تحيل إلى دلال يهودي، بقرينة الذؤابتين. فأين شرقنة الذات هنا؟. لكن الأمر عند التأمل سوف يتضح لنا وفق رؤية أخرى معاكسة تماماً: فالسوق في غزة، والبضاعة ملابس قديمة. حيث لا يكون الدلال إلا عربياً. فمن أين جاءت الذؤابتان؟. لقد أنتجهما لاشعور الراوي، الحانق على هذا المشهد، والرافض لهذا الاستلاب، الذي حول الفارس العربي المشهور إلى عبد يباع مع سيفه. لكأن عنترة لم يتحرر. ولكأن كل ما سمعناه عن بطولاته كذب وبهتان. ولا يفعل هذا بعنترة إلا يهوديٌ مستوطنٌ متطرفٌ ذو جديلتين، حتى ولو ظهر للمشاهدين المخدرين بصورة عربي يبيع في سوق فراس.

إن هذا الفيض من الدوال يقول لنا بأن الراوي ـ ومن ورائه المؤلف الضمني ـ يتبرأ من كل هذا الاستلاب العربي، متطلعاً إلى تاريخ أكثر إشراقاً، يتحرر فيه عنترة، المعادل الموضوعي للوعي العربي الغائب حتى الآن.
وإذا كان عمر حمش، في هذه السردية القصيرة، ملتزماً بالرواية عن راو ذاتي (بضمير المتكلم) لا يسرد إلا ما يراه، فلقد نراه يلجأ إلى هذا الحشد من الدوال الغنية بالإحالات النصية، ذات المحمول الأيديولوجي، تعويضاً عما تتيحه تقنيات أخرى (كالراوي العليم مثلاً) من إمكانيات واسعة للتدخل والشرح. فلنحاول القليل من الحصر:

    1.لفظة شاقل = الاحتلال.
    2.قميص ينفع لعامل طوبار = الجمهور عربي يعمل في الأشغال السوداء.
    3.هذا الدلال همجي يجأر = صورة العدو وما يقابلها من صورة الذات المتمناة.
    4.الناس أصنام = عهد الجاهلية.
    5.ملبوسات ممسوحة، أحذية مثقوبة = الفقر والهوان الاجتماعي والشخصي.
    6.الهمجي [الدلال] يصيح بإتقان قد تعوده = استمرارية الاحتقار وانسحابه على أزمنة ممتدة.
    7.يا عزرائيل = الموت المتمنى هروباً من واقع مرفوض.
    8.يا موت الصالحين اقترب = استدعاء للنص الديني القائل بأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. حيث شعور الراوي بالاغتراب الفادح عن هذا الواقع المرفوض، وتمنيه الخلاص بالموت.

إن كل هذه المحمولات النصية والأيديولوجية، تحيل إلى وجود مؤلف ضمني يخلق راوياً على شاكلته، يتمنى الموت، هروباً من واقع لا يستطيع التواؤم معه. وإذا كانت الأيديولوجيا تحتم وجود معرفة, ترفض الاكتفاء بالنظري، وتتطلع إلى ممارسة دور حاسم في تعيين طابع الحياة المجتمعية(3)، فإن لنا أن ندرك بأن الأيديولوجيين الحقيقيين يفضلون الموت، على التنازل عن ترجمة الأقوال إلى أفعال. لكن بما أن الراوي يفشل في استدعاء الموت، فإنه يجد في النوم بديلاً، باعتباره غياباً مؤقتاً ينوب عن ذلك الغياب الدائم المرتجى. فلنر كيف يفعل راوي عمر حمش ذلك:

"أغوص في بئري. تلاحقني عيون عنترة. السعر يزيد، بطيئاً، قهقهة المجنون. أغوص، أغوص. أصل شاطئ بحرنا. أدخله على عجل. تدفعني الأمواج، فأعود عنيداً، أقذف روحي داخلها. أضرب رأسي في صخرة، فلا تنفجر. أبحث عن جوف حوت، فلا أجد. تسحبني القهقهة، القبعة المتطايرة، الذؤابتان الطويلتان، اللكنة غير العربية، عينا عنترة الخجلة. يتردد صدى صراخي.. يا عزرائيل.. فتدوسني أقدام في الحشد، لتوقظني، تسحبني من بئري. أحدهم يتلمس وجهي.. يا أخ. فألملم جسدي عن الحائط، وأقوم لأجر جسدي متعباً"(ص60).
وعندما نتأمل المقطع السابق، في تقنياته اللغوية، فسوف تبدهنا حقيقة أن للكلام تاريخاً: أي أن ما قد قيل عن عنترة في السابق قد قيل ، ولا يستطيع أن يستعيد نفسه الآن، إلا إذا ازداد، أو تعرض للتصحيح. وعمر حمش، عندما يتكلم عن عنترة هنا، فإنه لا يستطيع أن يمحو الصورة المرسومة له في الذاكرة الجمعية، ولا أن يلغيها. كل ما يستطيع أن يفعله عمر حمش هو أن يوظف راوياً رثاً، يقف في المنطقة الوسطى، بين كل من التاريخ والفانتازيا: التاريخ بصفته حقيقة قارّة حتى ولو كانت مخالفة للواقع، والفانتازيا بصفتها خيالاً جامحاً يحاول جعل اللامعقول ممكن الحدوث.

وعن طريق هذا الراوي يستطيع عمر حمش أن يقول دون حروف: أنا ألغي وأمسح وأعدّل. وباختصار، فإن التاريخ الذي تعرفونه، لا يملك حقوق تأليف مسجلة باسمه، تمنع إعادة رؤية الأحداث وتفسيرها، من زاوية مخالفة. لكم عنترتكم، ولي عنترتي. ولئن كان لكم الحق في عنترة الحي وجدانياً، فإن منطق الإبداع يعطيني حقاً موازياً، في كشف نفاقكم، المتعامي عن حقيقة أن عنترة ما يزال يعاني الرق، ويتعرض للبيع.. ثم تتضاحكون!..
وهذا النوع من التدخلات الجريئة هو ما يسميه رولان بارت (ثغثغة)(4)، على اعتبار أن ما يفعله الكاتب هنا يشبه تدخلات الطفل (الراوي) في كلام الكبار (كتاب التاريخ الرسمي). تلك التدخلات الجميلة التي تحاول مواجهة المنطق القارّ، بمنطق مخالف، نتأمله جميعاً بشغف لذيذ، ثم نمضي لما هو مستمر ومألوف. أليس هذا هو ما يفعله الفن الجميل بنا في واقع الحياة!.

لدينا طريقة أخرى للتدخل النقدي هنا، ولكن هذه المرة من باب المعنى: المعنى الذي لا يُستخلص مما قيل فحسب، بل مما لم يُقل كذلك، أو مما تم التأكيد على نقضه وتغييبه من مفاصل الخطاب الظاهر. وهذا المنقوض والمغيّب هو ما سنطلق عليه هنا مصطلح (مضمر الخطاب). ومعلوم لدى أهل العلم بأن مضمر الخطاب أنفذ، وأقوى تأثيراً، من ظاهره، خصوصاً في الخطاب الإبداعي.

يؤكد فرويد على أن النقض طريقة لتأكيد وجود الشيء المكبوت. فالكاتب ـ بمعونة رمز النقض ـ يحرر نفسه من قيد الكبت، ويغنيها بالمادة الضرورية لعمله المناسب(5). والراوي يمارس عملية النقض هنا، بحق الوعي، حين ينكر واقعية ما رأى في السطرين الأخيرين، من المقطع السابق، لهدفين: أحدهما فني، يطلب من الكتابة التخييلية، الالتزام بعدم تقديم ما يتناقض مع أفعال الكتابة اللاتخييلية، على اعتبار أن عنصر الإيهام يجب أن يظل متوفراً، في أي كتابة تخييلية تتوخى الصدق الفني. أما الهدف الثاني فنفسي، يذهب إلى قمع الوعي القاسي، ملقياً بمقولاته إلى اللاشعور: تلك البركة القذرة التي سيظل الوعي يحوم حولها، وتطفو على سطحه في لحظات الغياب القسري.

لقد نفى الراوي أن ما قصه علينا، في سطوره السابقة، حدث حقيقي وقع في غزة. فكيف فعل ذلك؟. لقد استخدم حيلة مكرورة طالما لجأ إليها الرواة: الحلم. ذاهلاً عن حقيقة أن مدارس التحليل النفسي، قد ذهبت منذ فرويد، إلى أن ما يحدث في الحلم هو أقرب إلى الواقع، مما نراه يحدث يومياً أمام أعيننا، أقله من وجهة نظر الحالم.
ألسنا نرى الآن كيف أكد رمز النقض على حضور المنقوض؟!. ألا نرى الآن كيف أن عنترة فعلاً يباع مع سيفه، في أسواق النخاسة، بأيد يهودية متحكمة، كل يوم؟!. ومن لا يصدق، فليقرأ ما يحدث في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

الهوامش:

    * عمر حمش. سيف عنترة. من مجموعة قصص قصيرة بعنوان: عودة كنعان. ط1. اتحاد الكتاب الفلسطينيين. القدس ـ غزة. 1996.
    1ـ انظر: أزولد وتزيفان. الدلالة والمرجع: دراسة معجمية. فصل من كتاب لمجموعة من المؤلفين بعنوان: المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث. ترجمة وتعليق: عبد القادر قنيني. أفريقيا الشرق. بيروت والدار البيضاء. 2000. ص25.
    2ـ عملية خلق ذاتية تقوم من خلالها الذات الشرقية، أو العربية، بخلق جوهرها وتصويره للآخر (الغرب) وفق ما يتوقعه، بطريقة تقليصية مقيدة تنزع إلى النمطية واستجلاب المفاهيم المسبقة، التي أنشأها الآخر طوال عصور عن هذه الذات الشرقية، وتبنيها وصياغتها بصورة مقبولة لدى هذا الآخر الغربي، بغض النظر عن الحقيقة الموضوعية.
    3ـ انظر: ياكوب باريون. ما الأيديولوجيا. ترجمة: أسعد رزوق. عرض ومناقشة: سعيد المصري. فصول. المجلد الخامس. العدد الثالث: إبريل ـ مايو ـ يونيو. 1985. ص165.
    4ـ انظر: رولان ﭙارت. لذة النص. ط1. ترجمة: منذر عياشي. سلسلة الأعمال الكاملة1. حلب. مركز الإنماء الحضاري. 1992. ص17.
    5ـ انظر: إدوارد سعيد. إدوارد سعيد. العالم والنص والناقد. ترجمة: عبد الكريم محفوض. دمشق. منشورات اتحاد الكتاب العرب. 2000. نسخة مأخوذة عن موقع الاتحاد على شبكة الإنترنت: www.awu-dam.com بتاريخ12/8 /2005. ص124.


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google