محمد نبيـل: قبـــلآت

كانت عائشة لا تتركني أتنفس. تخنقني. ترافقني كل يوم إلى المدرسة. وعند عودتي، تنتظر الوقت الذي أتخلص فيه من يدي أبي الغليظة لتنقض علي كما يفعل الكلاب. تقبلني بحرارة. تمتص شفتاي وتشد فمي كما تشد كيسا من الحليب. كانت دائما تقول لي: أكرهك لكنني أحب فمك الوردي حتى الجنون. عندما يكون المعلم عائما في شرح الدرس داخل الفصل تنزل علي بوابل من الأسئلة الغبية: هل تستعمل أحمر الشفاه ؟هل تختلس علبة ماكياج أمك ؟ أجيبها بسخرية لاذعة: أمي لا تستعمل إلا السواك البلدي و تجهل حتى كيفية وضع أحمر الشفاه على شفتيها.

عائشة تتربص بي، لا تريد أن أتكلم مع زميلات أخريات في فترة الاستراحة.لا تغار إلا على فمي ، أما بقية جسدي فإلى الجحيم .ترغب في الاستفراد بي. كم ألعنها عندما تقبلني خلسة أو تغرس أسنانها في لساني الذي يظل يؤلمني لأسابيع. تعرف جيدا أنني لا أستطيع أن أرفض عروضها الشاذة لأنها تغريني بالكتب الصفراء و الأوراق البالية التي تسرقها من حانوت أبيها كنت مدمنا على قراءة كل علامات التاريخ القديم وشم رائحتها. التي أعتبرها كنزا آيل إلى الاندثار، لذلك كنت أغتنم الفرصة.لأبادل الكتب بالقبلات العمياء كثير من المرات أضعها تحت إبطي أو فوق صدري كي تظل رائحتها ملتصقة بي، ترافقني كل صباح.

ذات مساء، خرجنا من الفصل كالثيران عندما يخلصها صاحبها من الإسطبل. صفعتني عائشة حتى رأيت البرق يشع في عيوني لأنني اتجهت بسرعة صوب أبي الذي كان ينتظرني أمام باب المدرسة. تركتها وحيدةو هائمة. عيناها جاحظتان، لعابها يسيل كدموع الفرح. تنظر إلي برأفة و كأنني مختطف أو أسير حرب.

حملت حقيبتي المرقعة ومسكت بيد أبي. تركت ورائي عائشة كاليتيمة. وأنا أمشي على قارعة الطريق أحسست وكأن ساقي عائشة تطاردني. صوت جسدها الثقيل يزحزح الأرض من تحت قدماي. خوف مريع يسكنني و لا أقوى على الإلتفات ورائي حتى لا ينكشف أمري أريد رؤية لسانها عند ما تمسح به أنفها الأفطس.كنت ضحية مجيء أبي الذي لا يريد أحد أن يمسني بسوء . قصدت البيت وحدي بعدما تركني أمام مقر عمله. كان يريد أن يختبر قدراتي على تحمل المسؤولية في التعرف على البيت بدون أن أضيع بين الدروب.فجأة أتت عائشة كالملاك . وقفت أمامي وقالت لي بنبرة رجولية: لماذا لم تختبأ حتى لا يراك أبوك ؟ لقد فوتت علي فرصة تقبيلك اليوم. أنت حمار و سوف ترى ماذا سأفعل. أعرف أنها ستحرمني من الأوراق والكتب البالية التي تأتي بها كل صباح. أجبتها كمتهم يستعطف قاضيا: لا بأس يا عائشة، قبلات اليوم لن تطول عمرك أو تزيدك جمالا. وقت ما جاء الخير ينفع.

ردت علي صائحة: اسكت. أنت لا تعرف شيئا. أنا الذي أقبلك و لست أنت. أنا الذي أعرف قيمة شفتيك عندما ألامس تجاعيد فمك. قلت لها باستغراب: إنه جسدي، أحس به.و أنا أولى به غضبت و ردت علي بعنف: أنت تقدم لي فمك فقط وأنا من يفعل كل شيء. أنت لا تساوي شيئا بدون هذا الفم المعسول.

كانت ملحة على أن أعوضها عن قبلات اليوم الضائعة وكأنها تطلب أجرا عن عمل قامت به من أجلي. وضعت يدي على ظهرها الأملس وقلت لها في هدوء طفولي : غدا سيطلع نهارك و سأتركك تفترسين فمي كما تشائين غمرني إحساس غريب وكأنني أصبحت عبدا لا حق لي في شيء. أقدم فمي لعائشة تفعل فيه ما تشاء. بدون أي شرط. قد تعضني أو تمتص ما بقي لي من رحيق دون أن أرفض. سرعان ما قلت:إنها عبودية جميلة ورائعة ما دامت تجلب لي كتبا و أوراقا نفيسة. و قدام تلك المطمورة الموجودة قرب بيتنا فتحت فاها مبتسمة و كأنها راضية على ما أقول. أما أنا فبدأت أتقزز من ابتزازها لي بهذه الطريقة العرجاء. فمي لا يجلب لي إلا المصائب و الغرائب. خير لي أن أقطعه بدل هذه المعارك الجسدية في الغد، لم تأت عائشة إلى المدرسة. أحسست بحزن وشوق كبير و كأنني أدخل عالم الهوى لأول مرة. لم أكن حاضرا سوى بجسدي داخل القسم. كنت سارحا ولا أسمع ما يقوله المعلم وهو يفسر بعض الكلمات المتلاصقة على السبورة. طلب مني أن أصف ما يوجد داخل الصورة التي تتوسط السبورة. قلت مسترسلا و بسرعة: إنها صورة إمرة جميلة، شفتاها تشبه الهلال...لم أكمل الجملة حتى نزلت على رأسي عصا المعلم كالصاعقة. بعدها هوت علي يديه بالضرب. سقطت على الأرض. لم أكن أعرف أنني كنت أصف عائشة بدلا من الصور المعلقة وهي لحيوان صغير مكتوب عليها بالأحمر قرد . لم أكن أفرق بين القرد الصغير و عائشة التي منعها أبوها من القدوم إلى المدرسة. أحد زملائي كان حسودا و لا يريد أن تمارس عائشة معي هذه الحماقات. قرر أن ينتقم منا و كشف المستور لأبيها الذي أقسم أن لا تطرق عائشة باب التعلم.

منذ ذلك اليوم الملعون رفضت أن أقبل كل الفتيات و النساء لأن القبلات التي وراءها ضياع إمرأة تعد قبلات خاسرة.

1- البلدي: التقليدي

كاتب مقيم بكندا
falsafa71@hotmail.com

من تحرير abelda | delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google