محمد نصر الدين العقاد - قراءة في ديوان "منذور لرمل" للشاعر نادي حافظ

المتأمل في عنوان مجموعة "منذور لرمل" للشاعر المصري نادي حافظ يجد أن هذا العنوان يحمل في طيّاته دلالات عميقة، وعندما نحلل هذا التركيب العجيب يتبين لنا أن الشاعر اختار لفظ "منذور" وهو بصيغة اسم المفعول من الفعل الثلاثي "نذر" بمعنى وهب، فهو منذور أي موهوب.
والشاعر عندما يختار "الرمل" الذي يوحي بالجفاف وعدم القدرة على التمازج بغيره، يكون الشيء المنذور لهذا ليس المراد منه عودته إلى أصله أو اتحاده به، وإنما المراد حلوله فقط...

ولإعراب "منذور" بالتنوين في هذا السياق وجهان، فهي إما أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف اهتماما بالخبر، والتقدير "أنا منذور لرمل" أو تكون نكرة مقصودة جاءت مبنية على الضم على أنها منادى لأداة نداء محذوفة والتقدير "يا منذور لرمل" وموهوب له من قدرة أزلية جعلتك تسير على هذا الرمل بلا اتحاد أو تمازج فيه بالكيفية التي سخرتك عليه، فإما أنك جبل شامخ أو بحر متلاطم أو نهر جار، إلى غير ذلك من الكائنات والموجودات على هذا الرمل، وإما أنك كنز مدفون تحته أو ميت لا وجود لك.

ولا شك في أن الشاعر نادي حافظ أفاد في مجموعته "منذور لرمل" من التراث العربي الأصيل، فهو يسمع لأبي العلاء المعري قوله:
خفف الوطء ما أظن أديم
الأرض إلا من هذه الأجساد
وهو يطوّر لنا هذا المعنى ويذهب إلى أن شيئا فوق طاقتك يجعلك موهوبا ومبذولا ومنذورا للرمال، وهي إن شاءت جعلتك فوقها مثل الجبال الشاهقة أو الأنهار الجارية أو خسفت بك وتلاشى أمرك تحتها، فلا يصير لك وجود، فأنت في الحالين "منذور" وأمرك موكول إليها، لأنك فوقها تستقر، وعليها تدرج، وهذه في تصوري إحدى آيات الشاعر البيانية.

لقد أعلن الشاعر نادي حافظ عن موهبته المتميزة في ديوان "منذور لرمل" الذي لا يكتفي بتأكيد شاعريته الأصيلة، بل يفجر عالما شعريا يضج بالحركة والغرابة والدهشة. إن عالم نادي حافظ في هذا الديوان يصنع مفارقته من الألفة التي تتجسّد في تلقائية التعبير، ثم غرابة التكوينات التي تنبعث من هذه الألفة، إنه يتعامل ببساطة مدهشة مع النغم والموسيقى والموقف والتجربة، فتحس بأنك إزاء شاعر لا يعنى بهذه الجماليات الفنية التي أتعب الشعراء قراءهم كي يتقنوها، ولكنه وسط هذه البساطة النادرة يكشف عن رؤية معقدة تحتوي على حس أصيل بالتناقض الجوهري في هذا العالم، فتضج تناقضات الحب والكراهية، والنور والظلام، والعقل والجنون، والحياة والموت، وهو يمتلك هذا الحس الإنساني المرهف الذي يوحي بتكوين أخلاقي يرتكز على أسس فلسفية، ولكنه أيضا يتمرد على المواضعات، بل يكسر صلابة الرؤية التقليدية، ليضع رؤيته الخاصة للأشياء.

إنه عالم يطفح بلون من عبثية التعبير عن واقع لا يكن له الاحترام، ولكنه لا يخفي حبه له في الوقت نفسه. وهو يعشق اللغة ولهذا يتركها حرة حتى ولو ارتكبت بعض الهفوات الطائشة أو حتى لو ارتكب هو باسمها بعض الأخطاء الفادحة، إنه عالم مسكون بالإنسانية المرهفة والحب العميق للإنسان، بل إنه يجسّد رسالته الشعرية في أمنيات سامية.
إن الشاعر يضعنا بهذه الأمنيات في صميم قلبه الذي يتوجع من أجل البؤساء المذلّين والمهانين في هذا العالم، لذا يجيء "منذور لرمل" دالا على إنسانية الشاعر وإحساسه بأنه يضم في ديوانه البشرية كلها. ويظهر هذا المعنى جليا في قصيدته (سأبكي ربما انفعلت بلادي) فيقول:

سأبكي
كلما ارتفعت طيور
في فضاء الروح
معلنة عن التوهان
واخترقت سهادي.
سأبكي كلما حطت على روحي الرياح
حنينها ملحا
وتاهت في البوادي.
سأبكي
كلما ضاقت مواقيتي عليّ
وطال ظلّي
فانكمشت
وضقت ذرعا بامتدادي.
سأبكي
كلما غنيت أغنية
عن السم الذي يسري
إلى شجر الكلام
عن الرمل الذي يمضي إلى الشعرا
عن الصدأ الذي استشرى
بأوردة القصائد
عن بلادي.
سأبكي
كلما دقت طبول الثأر
في دمي ارتخيت
وجنّحت
لمبادرات القهر آمالي .............

إن الوحدة الإنسانية والتنوع الصاخب هما السمتان البارزتان في عالم نادي حافظ، ولكن القضية في الفن ليست مجرد النوايا الطيبة أو الأخلاق الحميدة، إن الشعر يظل لغة خاصة لها تفجيراتها البعيدة عن المفاهيم والمعايير والأطر، ولهذا يعطي الشاعر صفاته الأزلية، فهو حر بالغ الحرية في تعبيره عن تجاربه حتى أنه لا يبالي حين يستخدم ألفاظا (عامية) في بعض الأحيان أو خارجة عن النظام الخليلي في أحيان أخرى، إذا رأى أن هذا اللفظ وحده هو الذي يدل على ما يريد في هذا الموضوع من القصيدة. إنه يزاوج في عالمه بين هذه التلقائية واستثماره للقافية التي يستخدمها بطريقة تؤكد تمكنه من ثقافته اللغوية. ورغم حرصه على القافية في كثير من مقاطع هذه القصيدة، إلا أنه لا يوحي لنا بأي حس تقليدي، بل إنه يعبث بكل تقليد حين يترك لخياله أن يتصوّر هذا العالم مسرحا للجنون والانحطاط والفوضى، كما في قصيدته (جسد يحتاج لتهذيب زوائده) حيث يقول:

جسد
يمعن في الهوس
يركّب أشكالا
من أشباح
أو أشباحا من أشكال
يضع الماء الساخن
تحت يديه
فينحلّ المربوط
يخاف السائب
تنفلت الأفعى
جسد
يحتاج لتهذيب زوائده
ما زال يضج بأسئلة
ويحن إلى شيء ما
لا تبلغه الأعمار

وبعيدا عن فكرة تفسير النص الشعري، لأن النص الشعري وجود كلّي صنع ليقدم الإدراك العام بعيدا عن التفسير، فإن الصورة التي يرسمها نادي حافظ توحي بمصير الإنسان الذي بدأ حلما ثم انتهى وحشا تسكنه أرواح لا تعرف مدى قوّته، وطموحاته وطغيانه، ويوحي عالم الشاعر بنسق رومانسي أصيل يسري في عروق قصيدته، بل يتحوّل في بعض القصائد إلى أفق مفتوح على الحب والبراءة والجمال والأسرار الداخلية والشوق الحميم.

إن إنعام النظر في النص يطلعنا على الكثير من خصائص شعر نادي حافظ، فهو غني جدا بالإيقاع الداخلي، وهو إيقاع لا تؤلفه الموسيقى العروضية المباشرة، بل يؤلفه إحساس الشاعر العميق بتجاور الحروف التي تصنع من تجاورها صدى عذبا ينفذ إلى الأغوار ويهدهد في رفق جمود الإحساس بالتوتر والتعب، كما يوحي النص أيضا بهذا الهاجس الفلسفي الذي ينبعث من الأوامر الملحّة التي تدفع إلى القلق والحيرة والبحث عن الفهم والمعرفة. ويتضمن النص أيضا ملمحا رئيسيا يتميز به شعره هو المزج العميق بين الجزئي والكلّي، بين العابر والدائم.

إن حلاج نادي حافظ شديد التفلسف والوعي والحزن، لأنه يكتب هذه المعاني من روح الشاعر وعقله وحزنه، وديوان نادي حافظ يمثّل عالما يضج بالحركة الدرامية والمفارقة الدالة والتلقائية الآسرة وواقعية التعبير، واستخدام الشاعر لبعض الألفاظ العامية لا يوحي إلا بعشق لروح هذه اللغة ولكنه يكسر السياق الشعري ويصدمنا أحيانا بألفاظ يمكن أن يعثر على مقابلها في اللغة الفصحى، ونحن بدورنا لا نستطيع أن نقترح عليه ماذا يفعل في شعره، ولكن علينا أن نتأمل هذا الشعر بكل الحب والفهم والموضوعية، وديوان نادي حافظ يشيع في نفوسنا الاطمئنان إلى أن شاعرية جديدة وفريدة تؤصل نهجها الشعري وتعدنا بكنوز جديدة وأفراح شعرية جديدة. وهذه الأوراق التي لا أزعم أنني كتبتها وحدي بل كتبها الحب معي ولولا كلمات نادي حافظ وقصائده الرائعة لما وجد قلبي مدادا لسطوره.

delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google