باسم النبريــص - وجوه من مهرجان لوديف 2005

كتابة سريعة، انطباعية، تتوسّل، مع ذلك، النفاذ إلى جوهر كل شخصية من هذه القامات، التي اخترتها من بين 99 شاعراً، كانوا مشاركين في مهرجان "أصوات المتوسط"، وكان لي شرف التعرف عليهم عن قرب.

جبل التوباد : مشروع راق في زمن رثّ

عكف الشاعر التونسي الصديق خالد النجار، منذ سنوات، على مشروع عمره النبيل : مشروع ترجمة كبار الشعراء العالميين، إلى اللغة العربية. لتصدر بعد ذلك، في سلسلة فاخرة ومرهفة طباعياً وإخراجياً، أعطاها اسم الجبل الشعري الأشهر، ويصرف عليها، وحيداً، من جيبه. خالد تنكّب هذا المشروع النبيل والجميل، المكلف مادياً وزمناً وإرهاقاً، في وقت صحراوي، تتراجع فيه حركة الترجمة إلى العربية [ فما بالك بترجمة الشعر ؟ ] وتعاني من ألف مشكلة ومشكلة.

لذا، يستحق خالد منا، كل تقدير واحترام، إذ دخل إلى ساحة يصعب فيها اللعب، وتغيب عنها المؤسسات الثقافية ذات الدأب والرؤية المستقبلية والمنهج.

أصدر خالد من هذه السلسلة الرائعة، حتى الآن، سبعة دوواين شعرية، هي على التوالي :

*لوران غسبار _ البيت قرب البحر + أجساد ناهشة.
*إتيل عدنان _ يوم 27 تشرين الأول 2003.
*ميشال بيتور _ دارة الأمير.
*سان جون بيرس _ نشيد الاعتدال.
*هنري ميشو _ قصائد مختارة.
*جورج شحادة _ أشعار + السابح بحب وحيد.
*موريس كاريم _ صور ضائعة + العصافيري.
وكما أخبرني، عندما التقيته في لوديف، مؤخراً، فثمة مشاريع أخرى في جعبته المليئة دائماً. أهداني خالد نسخةً من ديوان هنري ميشو، بترجمة رضا الكافي، فقرأتها عدة مرات، مستمتعاً برهافة وذوق وكيمياء الكافي في ترجمته المائزة. لكأنني أقرأ ميشو لأول مرة، رغم أنني قرأت له عدة ترجمات جيدة أيضاً، من بينها ترجمة الشاعر العراقي البارز سامي مهدي.
ثمة حساسية عالية في هذه الترجمة، لا أظن أحداً ممن ترجم هذا الشاعر، يتمتع بها، سوى الكافي وحده. فهذا الشاعر، هو شاعر ملتبس في الفرنسية : شاعر يكتب على غرار ما نسميه في تراثنا [ بالسهل الممتنع ]. ومن هنا تأتي إشكاليته مع الفرنسيين أولاً، ومن بعد، مع مترجميه. فالبعض في فرنسا، ينظر إليه، كما ينظر بعضنا لنزار قباني، فيما ثمة بعض آخر، يرفعه إلى أقاصي الأيقونة، تماماً كما يُفعل مع نزار أيضاً.

إلى ذلك، كم كنت أتمنى لو أستطيع الحصول على كل إصدارات هذه السلسلة. فهي للأسف، غير متوفرة في أسواق المشرق العربي. ولذا :آمل من الصعلوك العظيم، والمثقف المذهل : خالد، أن يتدبّر أمره، مع هذا الشأن، ليستمتع المشارقة، بقراءة وتذوق هؤلاء الشعراء العالميين.
ربما أحمّله بهذا الطلب، ما لا طاقة له به. فهو في الأخير، فرد، لا مؤسسة. لكنني، مع ذلك، أتمنى عليه، وأعرف أنه، أفضل بما لا يُقاس، من جميع مؤسساتنا الخاربة!

تحية إلى خالد، ناشراً نوعياً، وصعلوكاً لا يُضاهى، ومثقفاً موسوعياً، وساخراً فذّاً _ في شخصه الممتع، لا نصّه، مع الأسف! ساخراً، يخلق الكوميديا بنوعيها : الأبيض والأسود، فيُضحكُ الحجر قبل البشر!
تحية له في ألمه الحارق، وفي عروبيته الأرقى، وفي عزلته المعطاء، وهو يفتح لنا كوّة في الجدار السميك، لنرى بعض النور، وبعض البهاء، رغم كل سدول هذا القرن المُرخاة علينا، مع سبق الإصرار والترصد، سواء من قبل أنظمتنا الثقافية _الأمنية، التي لا تعنيها سوى مصالحها والبقاء على كرسي السلطة، أو من غير أنظمتنا ممن

نرى ونعرف!

عن خالد النجار أيضاً

أفضل ما في المهرجانات والملتقيات الثقافية، هو اللقاءات الجانبية، وتعرف المثقفين والشعراء على بعضهم البعض. من هنا، حدث في مهرجان لوديف الفرنسي، ما يحدث، عادةً، في معظم المهرجانات والملتقيات العربية والعالمية : حيث يلتقي المدعوّوّن وجهاً لوجه، وتنفتح، ثمة، مساحة من التعرف الشخصي عن كثب. ولقد أسعدني زماني، فعقدت صداقات، أرجو ألا تكون عابرة، خصوصاً بوجود الإيميل، مع قلة من الشعراء العرب والأوربيين. من بينهم التونسي خالد النجار.

وخالد، لمن لا يعرفه، شاعر ومترجم في السادسة والخمسين من عمره، يقيم في تونس، ويتنقل كالمُنادى، بين البلدان. أعزبَ، تزوج مرة، وفشلَ، ولا يبدو أنه سيعيد هذه التجربة العبثية!
يعيش حياته، مُكرّساً وقته للثقافة والترجمة والشعر. وهو كما قال لي، " تلميذ هشام شرابي "، ويعتزّ بعلاقته الشخصية والفكرية، مع مفكّرنا الفلسطيني العظيم.

ولقد سرد لي، قصصاً، حدثت بينه وبين الراحل، لا يعرفها أحد. قصص تؤكّد عظمة هشام، وسموق أخلاقه النبيلة، وتحيل إلى موضوعة التطابق التام، بين شخص المثقف ونصّه. وأنه لا جدوى ولا معنى، لوجود فوارق أو نقائض بينهما _ كما هو الحادث، غالباً، بين مثقفينا العرب.

لم يصدر خالد سوى ديوان واحد في حياته، وقد صدر الديوان عن دار رياض الريس في عام 1990، وقرأته في حينه. لكنّ شيئاً لم يبق في ذاكرتي من الديوان، سوى عنوانه، فنسيته في غمرة نسياناتي الشهيرة!
وعندما تعرّفت على خالد، تذكّرتُ، في الوهلة الأولى، ديوانه القديم، وسألته عن دواوينه الجديدة، ففاجأني أنه، لم يصدر، منذ خمسة عشر عاماً، ديواناً آخر! بل وفوجئت أنّ ديوانه ذاك، هو إلى الآن، ديوانه الوحيد المطبوع! بالطبع، هو يكتب وينشر، بين الحين والآخر، لكنه عازف عن نشر مجموعات أخرى، رغم أنه صاحب دار نشر، ويطبع للشعراء الآخرين.


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google