شاكر لعيبي - الشاعر محققاً للنصوص (صورة الشاعر) في المخيال العربي

شاكر لعيبي - الشاعر محققاً للنصوص (صورة الشاعر) في المخيال العربي

 

غمرتني الفرحة عندما تناهى إلى مسامعي فوزي بجائزة من جوائز ابن بطوطة للأدب الجغرافي لهذه السنة. لكن سرعان ما جعلتني الأخبار أبتسم ثم أضحك بصوتٍ عالٍ، خاصة تلك الأخبار التي صيغت لتمنحني صفة (محقق نصوص) لا غير كما هو الحال في الخبر التالي المنشور في (جريدة بغداد 16 حزيران 2005):

 

    "أبو ظبي- جريدة بغداد: فاز محقق النصوص د. شاكر لعيبي والروائي علي بدر بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي التي تقدمها دار السويدي بالتعاون مع المجمع الثقافي في أبو ظبي ، فقد فاز د. لعيبي بجائزته عن تحقيق مخطوطة رحلة ابن بطلان بينما فاز زميله في مجال الرحلة المعاصرة من مؤلفه (خرائط منتصف الليل) وهو كتاب يجمع بين الرحلة والرواية واليوميات. وتعدّ رحلة ابن بطلان 1049م من أقدم الرحلات العربية التي ظلت مبعثرة حتى قام المحقق شاكر لعيبي باكتشاف مقتطفات أخرى من الرحلة لم يسبق الانتباه إلى وجودها في عدد من الكتب التاريخية فاستحق عليها الجائزة الثالثة في التحقيق. أما جائزة الإبداع في أدب الرحلات التي فاز بها الروائي علي بدر عن مؤلفه (خرائط منتصف الليل) بعد منافسة شديدة مع أدباء عرب كبار من 14 بلدا عربيا".

 

 يوصف زميلي مرتين، كما هو الحال في بيان لجنة الجائزة بالروائي بينما أوصف مرتين بالدكتور والمحقق، تلك الصفة التي يجهلها الغالبية المطلقة من قرائي.

 

سهوٌ رمزيٌّ من الأطراف جميعاً أعرف مصادره وأسامحها عليه.

 

وبطبيعة الحال فمن الفخر والاعتزاز أن ينال المرء، ليس من جزيرة سومطرة، ولكن من جامعة عريقة، شهادة عليا. هذه الشهادة الأكاديمية توضع في الخبر المعمَّم بديلاً ذكياً لكلمة (الشاعر العراقي) مثلاً لأنها تتغافل عن هذه الصفة الوجودية، عمداً وعن سبق إصرار، وهي تخاطب عالما عربياً لا يقرأ اليوم قدر ما هو شغوف بالأكذوبة والإشاعة والأخبار الصحفية.

 

وفي حالتي المتواضعة يمكن القول إن طرفة استبدال الحـُرقـة الوجودية (الشعر) بالحـِرْفة المألوفة (دكتور أو باحث أو محقق) يجري تعميمها على شخصي في الأوساط العربية وليس العراقية: فمن الشعراء الذين صنعتْ منهم متونُ الذهَبِ نجوماً ونياشين ورؤساء تحرير، وممن كان يقرأ أولى قصائده في بيروت أو في مقهى اللاتيرنا في دمشق، أو من زملاء  ومجايلين ما فتئوا يتأثرون ويؤثرون ببعضهم...إلخ، هناك من يحاول اليوم توصيفي بصفات مهمة جداً: الناقد، الباحث، الفنان التشكيلي، ثم الدكتور التي لا تهمني هي خاصةً قليلاً أو كثيراً، وكلها صفات ليس الشاعر من بينها، مانحين صفة الشاعر، المهولة في الوعي العربي الشقيّ، للكـَتـَبـَة الكـَذَبـَة. مناورات فكاهية سريعة العطب. من باب الطرفة السمجة تكتب مجلة عُمانية تحت اسمي (ناقد تشكيلي من العراق) ويروّج عني شاعر من جيلي في لندن بأنني (باحثٌ) لا غير، ويستشهد بي ناقد سوري في الشارقة بوصفي (باحثا تشكيلياً)، وتنشر جريدة السفير خبرا عن ترجمة مقالة لي إلى الإنكليزية بوصفي (الكاتب)، ويكتب في جريدة (الزمان) ناشر وشاعر في كولونيا زاعماً امتلاكي روح (رجل المباحث السرية) لأنني أنـَقـِّب في المصادر والمراجع وأوثق بها كلامي، ولدي الآن، بحمد الله وشكره، صفة جديدة (محقق النصوص) التي أجدها الأكثر طرافةً وإفصاحاً عما ينتوي مطلقها أن يقول، لكنني أجدها الأكثر رداءة وزمانةً إذا لم أقل شيئا آخر. لن أذهب بعيداً بتعداد وتوثيق كل ذلك لأنه من السماجة بمكان.

 

على أن في الأمر باطناً أبعد من ظاهره، يتعلق بطبيعة المعرفة والشعرية في الفلكلور الثقافي الشائع. ويقع فيه درس جوهري يخص (صورة الشاعر) في المخيال العربي:

فالشاعر هو رديف للإلهام مجهول المنبع الذي نادراً ما كانت المعرفة والقراءة والتتبع المنهجي مصادر له. صورة الشاعر محاطة بقداسة وسمو في الذاكرة العربية، وهي قداسة غالباً ما كانت زائفة، فقد كانت مجروحة بالتبجح والصلف والإلغاء والغيرة والتدني إلى  مستوى الاغتراف من بؤس الدنيوي الذي يجري الزعم بالتعالي عليه. للتأكد من بساطة هذه الحقيقة يكفي قراءة الخصومات والعداوات بين شعراء العربية القدامى والجدد. خذ مثلاً (الوساطة بين المتنبي وخصومه) للقاضي الجرجاني و( يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) للثعالبي و(الموازنة بين الطائيين) للآمدي وأخبار(الأغاني) الكثيرة و(معجم الشعراء) للمرزباني والشتائم الصراح بين الفرزدق وجرير، وخصومات الشعراء المحدثين عديمة الرحمة كالبياتي ضد الجميع وبوول شاوول مع أدونيس مؤخراً على سبيل المثال لا الحصر.

 

والشاعر في المخيال العربي الفلكلوري هو نقيض الحكيم الدارس الفاحص، وإن حكمته تتأتى محض صدفة، من عَدَمٍ خلاقٍ لا يقع الدرس المنهجيّ في نطاقه. والشاعر كذلك هو البرئ النقي، الطفولي الذي لا ينبغي أن تـَجْرح ذائقته المرهفة شوكةُ القراءة والاستقراء والبحث والتدقيق والترجمة، وكل ذلك وَهْمٌ حقيقي لا تبرهن عليه سير كبار شعراء العربية والعالم. يقال أن المتنبي كان يسافر مع حمل جمل من الكتب التي يطالعها في رحلاته. لن نتحدث عن فيلسوف الشعراء المعري ورصانته المعرفية، سنمر مروراً عابراً على جمهرة من قدامى الشعراء العارفين الحاذقين ممنْ لم يشهد عالمهم، ما نشهده من تنوع أصناف المعرفة والعلوم الجديدة كعلم النفس والسوسيولوجيا واللسانيات والآثار التي اخترقت اختراقا النسيج المعرفي والشعري والتشكيلي بل الإنساني والبيولوجي. كانوا يقينا عالمين بمعارف عصرهم. وكان البعض منهم يتكلم أكثر من لغة واحدة. ولو كانوا في عصرنا لانهمك البعض منهم بعلومنا ومعارفنا جنباً إلى جنب قصيدتهم الحاذقة.

 

يتعلق الأمر أولاً وآخرا بشرارة الشعر السرية.

 

 تشكل الثقافة الموسوعية والقراءة المنهجية والدرس العلمي إذن رافداً جوهرياً في وعي الشاعر المعاصر الذي أصابته تلك الشرارة في سويدائه. وليس صحيحاً أن صفاء المنابع الأولى، البدئية، الطفولية، الإلهامية سوف يتهدم جرّاء الثقافة والاستقراء المنهجي وأن هذين الأخيرين سوف يُثـْخنان النص الشعري بالثقافوي، المضجر، ثقيل الظل. هذا ما لا يبرهن عليه شعراء القارة الأوربية والأمريكيتين مثل إليوت ووعيه الفكري النقدي الحاد وأوكاتفيو باث ودراساته العميقة في أكثر من حقل وغيرهم كثر، ناهيك بكبار شعراء الفرنسية وكتاباتهم الفلسفية الصارمة مثل بول فاليري، وقبله الناقد التشكيلي بودلير الذي  لم يصدر إلا مجموعة يتيمة واحدة (أزهار الشر) بالمقارنة مع وفرة كتاباته النقدية. وقبله الملعون رامبو الذي التهم، طفلا، كبريات الكتب الموجودة في المكتبات المتيسرة في شارفيل. بعض أهم الشعراء الفرنسيين الأحياء اليوم هم أساتذة جامعيون. بورخيس مثال صارخ على موسوعية الأديب وسعة ثقافته. سيكون من الشطط أن نسمى بورخيس شيئا آخر غير (الروائي). عربياً لم يقل لنا أحد أن شاعرية محمد بنيس قد انجرحت لأنه منهمك بالتدريس الأكاديمي في إحدى الجامعات المغربية، ولم يضع هو لقب الدكتور قبالة اسمه كما لم يلصقه له أحد. ويكتب إلياس خوري وجمال الغيطاني وأدونيس وعباس بيضون وأمجد ناصر أسبوعيا أو يومياً المقالات النقدية في الصحافة من دون أن تثار حولهم ريبة (الناقد) وتلغى عنهم أوصاف (الشاعر) الأثيرة إلى قلوبنا أو سمة (الروائي). وعلى سبيل المقاربة الدالة الفاضحة فإن ما كتبته بقلمي المتواضع في الفكر والمعرفة ليس سوى قطرة في بحر الكتابات النقدية لشاعرين مذكورين أعلاه.

 

في الوعي العربي الشقي تصير المعرفة الأكاديمية رديفاً لنهاية الشاعر في حين أنها نبع وخزين لنصه. وفي الوعي العربي الشقي لا مجال إلا للقب واحد واختصاص يتيم، يدل على الفقر أكثر مما يشير إلى الخصوبة الروحية. وفي الوعي العربي الشقي يحسب أقران الشاعر أن نفي صفة الشاعر عنه كفيل بتثبيت مجدهم الشعري وحدهم. لا أله إلا الله.

 

ومما يُشرِّف ويُسْعِد أن نحقق نصوص التراث، لو فعلنا، من دون أن نكون فحسب (محققي نصوص) كما ورد في متن الخبر أعلاه. هذا الوعي بقدر ما هو شقي فهو ظالم بحق، ومضحِك.

 

في تلك التوصيفات النافية عن الشاعر صفته الوجودية ثمة استراتيجية بارعة، تَدْخُل من جديد في صلب سوسيولوجيا الثقافة كما تُمارس في بلداننا: إنها مُسْتلهَمة من تقاليد حكي العوام في تمرير و(تمريق) أشد أنواع النقد وطأة والانسلال كما الشعرة من العجينة، كما أنها مستمدة من التصورات الشعبية عن السلوك الحاذق الذي يمرر المكيدة بطريقة تبدو بريئة للغاية. استراتيجة بارعة رغم ذلك، فلا هي نفت الشخص المعنيّ وألغته لأن فعله الثقافي حاضر وأكيد، ولا هي أنصفته، لأنها مهمومة بشأن آخر لا علاقة له بالشعر وبقراءته وتمحيصه. وفي حال اعتراض المعنيّ على هذه الاستراتيجية سيصير، الأحمق، هو في موقع الإدانة على أساس شكه العميق بذاته المبدعة وامتلاكه لعقد شتى يقف تأويل الكلام محملاً بعيداً على رأسها، وعلى أساس عدم معرفته بأصول اللعبة الثقافية. مَنْ يعرف ماذا؟ هذا سؤال من طبيعة (لا – أدبية) ثانية. ومن جديد، كما أوضحنا بشأن فكرة التحقيب العشري للأجيال أو بشأن نفي خصوم الأدب أو بشأن اتهام العراقيين بالعنف (أدونيس)، يتدخل، بمهارة، عنصر من طينة سوسيولوجية وذاتية لا علاقة للشعر أو الثقافة بها.

 

الرجل المماحِك سيسأل بذكاء: لماذا لم تسأل نفسك أيها المعنيّ عن السبب الذي قاد هؤلاء الأفاضل إلى تسميتك بما لا تحب؟ وبعبارة صريحة سيوضع الشاعر الموهوم في موضع التهمة مرة أخرى. سأؤجل الإجابة عن السؤال لمناسبة لاحقة تتعلق هي الأخرى بسوسيولوجيا الثقافةٍ. لكن يتوجب القول رفعا للالتباس أن جل الإشكاليات المثارة في هذه المقالة يمكن أن تؤول بطريقة تمس المعنيين بصياغة بيان الجائزة، وهو ليس البتة هدفاً جاداً، فقد تيقنتُ منذ البدء أن مشروع (ارتياد الآفاق) هو مشروع جوهري في ثقافتنا، وأن يكفي رجلان: الشاعر نوري الجراح ومحمد السويدي يمتلكان الشرف والنبل من أجل مشروع مؤثر وذي نتائج بعيدة المدى. لن أفقد على الإطلاق حماستي العميقة لهذا المشروع وسأصرّ عليه بسبب أهميته المطلقة، لكنني لا يمكن، من جهة أخرى، أن أفقد روحي الشعري التي تؤرقني منذ ثلاثين عاما بالتمام. لقد ربطتني بالجراح صداقة من ذلك النوع الذي لا يمكن فصمه إلا بصعوبة وكان مؤمناً على الدوام بجنوحي وجموحي ودافع عن شعري بأكثر من مناسبةٍ.

 

هل يتوجب لذلك أن نأخذ العبارة (محقق النصوص) على محمل استعاري محض، محمل قادر على إبعاد سوء الطوية عنها ومنحها ألقاً ودفئاً؟. بهذا المعنى يحقق الشاعرُ فعلياً النصوصَ من الشائبة ويلتقط الحجر الكريم من التراب وينتقي المفردة المغسولة بالضوء بيده المرتجفة، وهو يتحقق منها في الوقت عينه، ولا يهم بعدئذ أن يكون النص نصه الشخصي أم نصوص الميتين. لقد أحسن غاية لإحسان من صاغ الخبر دون أن يدري، وهو يمنحنا فكرة جديدة عن الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الشعراء في العالم، كما أنه ينبهنا بأن لا أحد يستطيع دحر قوة الشعراء المستندين إلى براهين العقل الساطعة.

 

جامعة قابس 18-6-2005

 

 


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google