شاكر لعيبي. سعدي يوسف والدروس العشرة لنقاده

تعودنا على أن نرى في سجالات بعض المثقفين العرب الكثير من السرعة والآنية والعاطفية، بل الحماس والاندفاع المتسرع. وكل ذلك له علاقة بنسق الفكر الجاري تعلمه في مدارس العرب الكبرى التي تقيم الاعتبار لأساليب الموضة ومقاربات الإشاعة الثقافية وتضخيمات الميديا واستعارات المصالح الشخصية ومفاهيم الأيديولوجيا ومجازات الصحافة اليومية واشتقاقاتها، وذلك قبل التحليل الفاحص والقراءات الاصطلاحية المتمعنة. من يطلع على المواقع العربية (والعراقية خاصة) سيرى انفجاراتٍ وتدفقاتٍ من الكلام، عن كل شيء وفي نقد كل شيء وفي تسفيه أشياء كثيرة، وباستشهادات وأسماء موضوعة من دون ذرة من الرحمة، وكلها مكتوبة على عجل لا يليق بالنقد، كأن مكبوتا تاريخياً قد تفجر على غير ميعاد، وكأن الأرض قد زلزلت زلزالها.

واحدٌ من أكثر الشعراء العرب إثارة للإشكاليات في الفترة الأخيرة هو سعدي يوسف، وذلك بسبب موقفه الصريح المناوئ للطريقة (أو لاجتهاد الغالبية الوطنية العراقية) المُدار بها والمُعالج عبرها احتلال العراق. وهو موقف مكّن أنصار الظلام القدماء والجدد وأصدقاء البعث المستترين والمعادين للأمريكان خبط عشواء وغيرهم من النهل من معنى موقفه لأجل معانيهم، كما أنه موقفٌ قاد جمهرةً من العراقيين إلى نقدٍ أقل ما يقال فيه أنه تنقصه الدماثة والبصيرة. هاهي بعض العناوين: (دفاعا عن النقد... حزنا على سعدي يوسف: فهد ناصر، الحوار المتمدن - العدد: 925 - 2004 / 8 / 14 )، (القس سعدي يوسف يطل من شباكه اللندني: أحمد مصارع ، الحوار المتمدن - العدد: 1148 - 2005 / 3 / 26 )، (إلى رجل الايروتيكا السياسية سعدي يوسف: محسن صابط الجيلاوي)، (على من تجاوز سعدي يوسف على الطالباني أم على نفسه؟: سردار عبد الله، الحوار المتمدن - العدد: 698 - 2003 / 12 / 30)، (سعدي يوسف ، واجتماعات بنات آوى: أحمد المعرفي، الحوار المتمدن - العدد: 756 - 2004 / 2 / 26 )، (سعدي يوسف .. من التغني بالناس إلى السخرية منهم! عفوا سيدي الأخضر.. لقد خاب ظننا: صادق الأزرقي، الحوار المتمدن - العدد: 752 - 2004 / 2 / 22 ) وأخيرا وليس آخرا مقالة مهدي قاسم في (موقع كتابات 26 حـزيـران 2005) تحت عنوان سجعي (واق واق هلموا إلى جبهة سعدي الثقافية يا رفاق). وأجد الكلمة الأخيرة ذات معان جمة سآتي إليها فيما بعد.

وبطبيعة الحال نسارع القول أن هدفنا ليس بحال الدفاع عن سعدي يوسف القادر على الدفاع عن نفسه، ولا تأييد مواقفه المعروفة ولا الانضمام إلى صف نقاده أو مستثمري أفكاره الحالية، بقدر ما هي استخراج بعض الدروس عن النسق الذي تعمل وفقه الثقافة في سياقاتنا وعن دلالة الاختلاف ومعنى قبول الآخر في أمّةٍ من الكُتـّاب التي تزعم قبول الآخر.

ما الذي يمكن ملاحظته في جملة النقد الموجه لهذا الشاعر العراقي الكبير؟

1- خلط فاضح بين قصائد الشاعر ومواقفه الراهنة. فجأة يقود اختلاف الفكر وتباين الاجتهادات بين الشاعر وقراء الأمس المتحمسين إلى نفي شعره اليوم ووصمه بشتى العيوب. فلا هم في معرض نقد شعريٍّ جماليٍّ متماسك ولا هم في مقام سجالٍ سياسيّ وفكري صارم. إنهم يتأرجحون بين اثنين ملغين المسافة الضرورية لاحترام الجمالي. وإذا كان صحيحا أن شعر سعدي نفسه ينهل من السياسي والآني ساعياً إلى إدغامه في الجمالي فمن الصحيح كذلك أن نقاده ينهلون من السياسي والآني وحدهما من دون أفق من نوع آخر، لكي يُصاب نقدهم بضيق أفق سيبرهن التاريخ عليه. إنهم يراوحون في إطار النصيحة ويجازفون بكلام قاسٍ. لنقرأ ما يكتب مهدي قاسم: "كنتُ أتوقع أن ثمة، مَن سينصح برجينيف الشعر العراقي و(شيخنا الجليل) سعدي يوسف، بأن يكف عن كتابة قصائد في منتهى السخف والرثاثة والتهافت، وذلك احتراما لماضيه الشعري الذي كان يحتوي على بعض الشعر الجميل والرائع بالفعل". هكذا دفعة واحدة (السخف) و(الرثاثة) و(التهافت) و(بعض الشعر الجميل) دون احترام لمبدأ الاختلاف ولا لنبل الخصومة ومن دون التعالي على الشتيمة المجانية.

2- في جملة النقود المكتوبة مع الشاعر أو ضده، ثمة فكر غير مصرَّح به مفاده اعتقاد النقاد أن على هذا الأخير أن يتماهى مع صوت الجماعة ظالما ومظلوماً. وهنا عود غير حميد لمنطقٍ بائد. ليس الشاعر بالضرورة صوت الجماعة، وليست الجماعة بمعصومة عن الفوضى والقلق والخطأ الوجودي والتردي الروحي.

3- يجري في الغالب اختصار تجربة الشاعر بسنوات قلائل أخيرة أو بقصائد محدودة في الزمن وفي الموضوع. اختصارٌ يسمح لنقاد الشاعر بالذهاب حيثما يشاءون ويتصرفون، ظالمين، في تاريخ شعري مديد يقوم في آن واحد على التأمل والتجريب المستمر من جهة وعلى الانهماك بشجون الحياة الآنية والطفيفة من جهة أخرى. اختصار يسمح لنا بالقول إن المشهد الشعري العراقي يشهد استخداماً سيئاً للعبارة وظلماً في إطلاق إحكام القيمة (المرفوضة على كل حال) وقسوة في الاقتراب من الآخر وإلغاءات غير مبررة لرموزه الشعرية، وكلها لا مثيل لها، وهي الظاهرة التي عمقتْها المنافي والحروب والانشطارات من كل نوع، الفيزيقية والنفسية، كما ضعف المتابعة النقدية من دون شك.

4- أحسب أن سقوط هيبة الشاعر في خطابات مثل الخطاب عديم الرحمة الموجّه لأعمال ومواقف سعدي يوسف، له عواقب وخيمة على وضعية الشعر ومقام الشعراء في العالم العربي، الصعاليك منهم والحكماء، يمينا ويساراً، الصغار والكبار. وإذا ما كنا في معارضة تامة لكل ما هو بطريركي في الحياة والشعر، وإذا ما رفضنا التحقيب العشري للأجيال، وإذا ما آمنا بالحق المطلق للجميع بالإدلاء بدلائهم في شتى المواضيع، فلا نتفق مع من يلغي المساحة الضرورية للاحترام والود والمحبة، أي لاخلاقيات الكينونة والكائن éthique. يكاد غياب (الأخلاقي) رفيع المستوى أن يصير القاعدة كلما تعلق الأمر بمناقشة مُختلِفٍ من المختلفات مع شاعرٍ من الشعراء, وهنا يمنحنا نقاد سعدي يوسف مناسبة ثمينة للتأكد من أن الأخلاقي الغائب عندهم ضروري في الحقل الفكري والسجالي.

5- إن سعدي يوسف من بين جميع مجايليه من الشعراء هو الأكثر انهماكاً بالشجن العام، وهو من دون شك الأكثر تواضعاً من بين الشعراء العرب الأحياء، وقد انصرف لمتابعة كل ما يقع بيده من شعر عربي أو أجنبي قراءةً وترجمةً، ويكاد يكون الوحيد من بين (الكبار) ممن كتب عن جميع الأجيال الشعرية وبالأسماء من دون كبرياء المزعومين الكبار. هؤلاء انصرفوا لأنواتهم المتضخمة وسيرورات وجودهم الخارق للعادة وظلوا يتعالون إذا لم يضعوا النظريات عن الطبائع المتأصلة للشعوب العربية. إن خصّيصة اندماج سعدي يوسف في الحياة ومغزى تواضعه وحرقته على شعبه ومصائر المنطقة منسية لدى نقاده لصالح تضخيم العيوب وجرح القلوب.

6- بعض نقاد الشاعر المشهور لم يقرأ شعره البتة (أو القليل منه)، وقرأ نثره السياسي فحسب وهو الأمر الذي يمكن برهنته لو لا ضيق مساحات الصحافة. والظاهرة عينها يمكن تعميمها على جيل آخر من الشعراء العراقيين المنهمكين، إلى جانب حُرقة الشعر الوجودية، بالكتابة الفكرية والفلسفية التي تغدو مقروءةً وحدها بالضبط لدى الغالبية المطلقة من القراء في العشر سنوات الأخيرة. ما تبقى يظلّ من باب الإشاعات الشعرية لا غير لدى أولئك. تشفّ بعض النقود المُقالة بصدد مواقف الشاعر أن النقاد لا يعرفون شعر الشاعر إلا سماعاً، ويحرصون على قراءة أدبه السياسي الذي يبدو الأكثر أهمية في عيونهم في هذه اللحظة بالضبط.

7- هفوات الشاعر غير مسموح بها في الثقافة العربية. ثمة قداسة من أصول عربية قديمة عن دور الشعر ووظائف الشاعر، ما زالت تشتغل مداورة في صلب النقد الراهن الذي يزعم تخطي كل أنماط القداسات والمقدّس والأيديولوجي الباهت. وإذا ما وُجدتْ أخطاء ونزوات إنسانية واجتهادات لا يقبلها بعض النقاد، فالأمر يصير دافعا إلى نفي الشاعر جملة وتفصيلاً، وفي أحسن الأحوال إلى التشديد على أهمية الماضي الشعري الجميل. هذه الاستراتيجية لا تستطيع أن ترى في عمل الشاعر (وحدة) متسقةً وتجربة وجودية حميمية متصلة، وتنزع نحو انتقائية مقطعة الأوصال، تقطّع المفاصل الأساسية التي يتكون منها الكائن الحي الذي يُنتج شعرا حياً.

8- إن الانقسام الحاد حول شعر سعدي يوسف بين قادح شرس يَسِمُ شعره الأخير بالجفاف ومادح ثابت الخطو، وكلاهما لا يقدمان غالباً تحليلات نصية قدر ما ينطلقان من مصادر من طينة ليست أدبية يشكل دليلاً على حيوية شعر الشاعر واتصاله بمشكلتي الوجود، العميقة والآنية، التي لا يرى كل طرف إلا وجهة واحدة منهما.

9- لا يضع نقاد الشاعر في حسبانهم إن سعدي يوسف قد كان في حالات كثيرة ضد الموجة، وكان في عين الوقت الأقل انفعالاً من القضايا الكبيرة المطروحة، وبنوبات من نزق الشاعر الأصيل مراتٍ، وكان يضع للعقل والضمير دوراً أساسياً في عمله النقدي والشعري وخياراته في الترجمة.

10- إن وجهة نظر الشاعر من قضية معالجة الاحتلال تستحق المزيد من التأمل، ولا نراها تحتمل رفضاً عاطفياً متعجلاً منفعلاً بادياً في كتابات نقاده. قد تبدي الأيام لهؤلاء ما يجهله أفقهم. ها هنا لا توجد دعوة لقبول وجهة نظر الشاعر بقدر ما هي دعوة للتفكِّر في حكمة شاعرٍ بلغ السبعين من عمره، علّم بعضاً من نقاد اليوم الكثير.

نسخة للطباعة | delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google