محمد المنسي قنديل - آثار الجزائر رمز الهوية وبوابة التاريخ

كنا قد قرأنا خبرًا عن أن بيوت هذه القصبة على وشك الانهيار, وكان هذا المكان الذي يمثل قلب مدينة الجزائر النابض, والذي تولدت في رحمه بذور الثورة الوطنية قد تحول إلى محمية أثرية بقرار من اليونسكو. ولكن البيوت القديمة أخذت في التداعي والانهيار. ولم يبق من الثمانية الآف منزل التي كانت تضمها هذه المحمية إلا ثلاثة آلاف فقط, وقد شاهدت في المنطقة نفسها بقايا أنقاض فندق مكون من ستة طوابق, كان قد انهار قبل وصولنا بأيام قلائل.

تجولنا وسط حواري القصبة الضيقة بجدرانها البيضاء ونوافذها المطلية باللون الأزرق. أصبح التجوال آمنًا الآن. منذ سنوات قليلة كان وجود أي أجنبي داخل القصبة مغامرة لا تحمد عقباها. كنا قد توقفنا قليلا في دار خوديج العمياء, وهو أحد القصور التركية القديمة, والعاصمة الجزائرية غنية بأمثال هذه القصور, ولكن من المؤسف أن العديد منها تحتله الإدارات الحكومية وتحول جدرانها المكسوة بالفسيفساء إلى أرفف لحفظ الملفات, وفي القصبة أيضا يوجد واحد من أجمل المساجد في العالم الإسلامي وهو مسجد (كتشاوا) الذي لا يقلل من جماله إلا هذا السوق الذي يقام على درجه ويحتشد بالبشر والصراخ وهم يبيعون كل شيء.

القصبة مكان غني بالبشر والتاريخ, ولكنه يحتاج إلى جهد خارق من أجل صيانته والحفاظ عليه من الانهيار, وهو الأمر ذاته الذي تعاني منه قلعة (الداي حسين) الموجودة فوق التل القريب من القصبة, في هذا المكان لم يطق الوالي التركي وقاحة القنصل الفرنسي فقام بضربه بالمروحة على وجهه, وكان أن انتهزت فرنسا هذه الفرصة فحشدت أساطيلها وانقضت على الجزائر, هذه الحادثة التي كانت شؤمًا على تاريخ الجزائر قد انسحبت على القلعة أيضًا فلم يهتم بها أحد. حين قمنا بزيارتها كان المطر الغزير لا يتوقف, بحيث أصبح التجوال داخلها بالغ الخطورة. فهي ليست مهيأة للزوار, ويمكن أن تنزلق قدماك في أي مكان تذهب إليه. كانت هناك بعض مشاريع الترميمات تدور في القلعة. ولكن وجدت الطوب الأحمر, وكتل الخرسانة تحتل أكثر من مكان, ولم أدر إن كان هذا ترميمًا أو إعادة للبناء.

تشكو الجزائر من قلة المرممين المهرة, هذا ما قاله لي أكثر من مختص في الآثار, كان الدكتور علي الحملاوي أكثر حزنًا من الجميع, فهو مدير معهد الآثار, وهو معهد متخصص يقع في مدينة سيدي عبدالله إحدى ضواحي مدينة الجزائر. وقال لي: الطلبة لا يعرفون قيمة الآثار, لذلك يسارعون إلى الهرب من الدراسة بالمعهد. ولكننا نحاول ونحن على استعداد لأن نرسل البعثات لأي بلد يملك المهارات الكاملة في هذا الأمر.

والترميم ليس مشكلة الجزائر فقط, ولكنه مشكلة أكثر من بلد عربي, ورث الآثار دون أن يحسن التعامل معها, فالأثر كما يقول د.عبدالعزيز الأعرج, ليس خالدًا ما لم نحاول أن نطيل عمره بأي وسيلة سوف يندثر أمام أعيننا.

ولكن حالة الآثار في بقية المدن الأخرى أفضل بكثير من العاصمة. في قسنطينة عشنا تجربة مدهشة مع المهندسة جميلة حداد ونحن نتجول في مقر أحمد باي, آخر حاكم تركي للمدينة, والذي قاد المقاومة من فوق أسوار قلعتها, وردالفرنسيين عن المدينة ثلاث مرات قبل أن تسقط,وهي واحدة من أجمل وأغرب المدن العربية, معلقة فوق قمة صخرة مثل عش النسر, والصخرة مقسومة إلى نصفين بينهما أخدود عميق تنساب فيه بقايا نهر الرمال. ويربط بين أطراف المدينة سبعة جسور معلقة, بني بعضها في العهد التركي, ومعظمها أثناء الاحتلال الفرنسي, وهي في حد ذاتها بتكوينها وما فيها عبارة عن متحف مفتوح.

سارت المهندسة جميلة معنا عبر أبهاء قصر (أحمد باي), وهي تشرح لنا مراحل الترميم المختلفة, كنا نشاهد تحفة فنية, استردت رونقها وعادت للحياة مرة أخرى, كانت القوات الفرنسية قد اتخذته بعد احتلالها للمدينة مقرًا لقيادتها العسكرية, ولم تكتف بذلك ولكنها بعد أن اكتشفت أن مسجد الباي حسين الذي يجاور القصر يسبب مصدرًا لإزعاجها بسبب أصوات أذان الصلاة وتلاوة القرآن, قررت الاستيلاء عليه وتحويله إلى كاتدرائية, وظل كذلك طوال فترة الاحتلال, وفي عام 1963ظفر المسجد بحريته ونزعت الصلبان عنه وارتفع صوت الأذان من جديد.

تقول المهندسة جميلة: (الآثار الجزائرية في حاجة إلى محبين حقيقيين, الجميع يفكرون في العائد الاقتصادي, ولكن علينا أن نفكر فيما تمثله لتاريخنا وهويتنا. هذا القصر ـ تقصد مقر الباي أحمد ـ صدر الأمر بترميمه منذ عام 1980, ولكن لم يكن هناك من يستطيع القيام بذلك بالرغم من وجود الميزانية المتوافرة. ولم تبدأ عمليات الترميم إلا مع بداية التسعينيات, عندما جاءت شركة بولندية وبدأت تدرب العمال على الطريقة الصحيحة للترميم, لقد استعدنا هذا القصر الآن, ولكن قسنطينة مدينة غنية بالآثار وهي تحتاج إلى جهد مماثل).

بالفعل هناك روح جديدة بدأت تهب على المواقع الأثرية في الجزائر, أحسست بهذا ونحن نقف عند قبر ( ماسينسا) واثنين من المهندسين المعماريين يشرحان خطط تطوير الموقع, يبعد هذا القبر عن مدينة قسنطينة بحوالي 15 كيلومترًا, وهو يضم رفات أحد ملوك الدولة النوميدية القديمة, وهي واحدة من أهم ممالك البربر الكبرى وأكثرها تنظيمًا, وكان الملك ماسينسا يحكم مملكة ممتدة من موريتانيا حتى أطراف تونس, وتحالف مع قرطاج, وقاوم الرومان طويلا, إلى أن انقلب عليه القرطاجيون, حلفاؤه القدامى. لقد تم الآن إقامة سور حول المنطقة التي تحيط بالقبر, وأقيمت مدينة عمرانية جديدة تحمل الاسم نفسه, ويتم إنشاء مشروع ترفيهي حول الأثر من أجل تشجيع السياحة الداخلية.

تحت الخطر

ولكن متى تنبهت الجزائر لحماية آثارها من كل عوامل الانهيار?

لم تفعل ذلك إلا في عام 1980, حين صدر أول قانون لحماية التراث الثقافي للأمة. وقد جاء القانون كما يرى معظم الأثريين متأخرًا بعض الشيء, وغير كاف كما يراه البعض الآخر, ولكنه كان مقدمة - كماقال واضعوه - لاستراتيجيات وبرامج تهدف إلى تشجيع وترقية والمحافظة على المعالم الأثرية والسياحية.

من عيوب القانون أنه لم يضع العقوبات الكافية ضد المخالفات أو الجرائم التي تقع في القطاع السياحي, وكما تقول الأستاذة فريدة بلفراق, أستاذة القانون بجامعة باتنة, إنه لم يحدد كيفية التعامل مع المخالفين للقوانين الموضوعة لحماية التراث. فالقانون يعاقب بالحبس والغرامة كل من يقوم عامدا بتخريب أو إتلاف التماثيل أو اللوحات الموجودة في الأماكن العامة أو داخل المتاحف. ويتشدد كثيرًا في معاقبة من حاول تخريب أو تدنيس مغارات وملاجئ ومراكز الاعتقال للثورة الجزائرية باعتبارها أماكن تمثل رموزًا للكفاح وتضحية المئات من المواطنين. ولكن الواقع يؤكد - على حد تعبير الأستاذة فريدة - أن هذه الأماكن قد تحولت إلى أوكار للفساد وشرب الخمر والمخدرات, ولا أحد من إطارات الدولة يحرك ساكنًا, والمثال الحي على ذلك هو مركز التعذيب بطريق تازولت بولاية باتنة الذي كان مقرًا للمنظمة السرية الفرنسية التي كانت ترفض الجلاء عن الجزائر. وكان من المفروض أن يرمم وأن يحاط بالأسوار ليصبح متحفًا تاريخيًا وشاهدًا على أيام التعذيب, ولكنه بقي مهملاً حتى الآن وهو الحال نفسه مع متحف المجاهدين في مدينة بسكرة, الذي هو عبارة عن مزبلة للتاريخ, وليس متحفًا له بما يحتويه من مناظر مخزية لبقايا العتاد الفرنسي الملقى على الأرض دون رقابة ودون صيانة.

أمام هذا الإهمال تتعرض المآت من القطع الأثرية إما للإتلاف أو للضياع, وتعاني معظم المواقع الأثرية في الجزائر - مثلها في ذلك مثل العديد من الدول العربية - من ضعف الحماية الأمنية. فلا يوجد عدد كاف لحراسة هذه الأماكن التي تحتوي آثارًا تقدر بالملايين. وأحيانا يشارك رجال الأمن أنفسهم في سرقة هذه الآثار وتسهيل بيعها. ففي المواقع الأثرية المكشوفة لا توجد وسائل للأضواء الكاشفة, وفي داخل المتاحف لا توجد أنظمة حديثة للمراقبة بواسطة الكاميرات, إلا فيما ندر. وقد قامت الوكالة الوطنية للآثار برفع 21 دعوى قضائية ضد العديد من الشخصيات الفردية والمعنوية بتهمة إتلاف وسرقة وتهريب الآثار الجزائرية منذ بداية عام 1993. وأشهر هذه الحوادث هي إقدام والي مدينة(باب واد) شخصيا بتحطيم تمثالي العدالة اللذين كانا موجودين منذ عام 1890

وتقع 90% من حوادث سرقة الآثار في المنطقة الشرقية من البلاد قريبًا من الحدود التونسية. فهناك شبكات من المهربين على معرفة دقيقة بمختلف المواقع والمناطق الأثرية بالجزائز. كما أن معظم عمليات سرقة الآثار من المتاحف الجزائرية تتم بالطريقة نفسها أي تتم بالتواطؤ مع موظفين يقومون بتقديم المعلومات والتسهيلات اللازمة, بل وتتم السرقة أحيانًا تحت أعين بعض موظفي الجمارك غير المؤهلين للتعرف على قيمة هذه الآثار ومنعها من المرور.


delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google