الكون الروائي كتاب لناقدين عراقيين تناول مشروع إبراهيم نصرالله الروائي (الملهاة الفلسطينية) ملحمة تحكي قصة شعب بعيدا عن الشعارات

الكون الروائيالكون الروائيعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر صدر كتاب جديد للناقدين العراقيين الدكتور محمد صابر عبيد والدكتورة سوسن البياتي بعنوان الكون الروائي ـ قراءة في الملحمة الروائية (الملهاة الفلسطينية) لإبراهيم نصرالله. ويقع في مئة وسبعين صفحة.

يتناول المؤلفان الروايات الخمس الصادرة ضمن مشروع (الملهاة الفلسطينية) حتى الآن وهي: طيور الحذر، طفل الممحاة، زيتون الشوارع، أعراس آمنة، تحت شمس الضحى، في كتابهما الذي قسماه إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول: الكون الروائي: الأداة والدلالة، عتبة العنوان وإشكالية العلاقة بالمتن الروائي. إشكالية الذات وفاعلية الذاكرة الروائية. صورة الآخر في المنظور الروائي. الفصل الثاني جماليات التعبير الروائي: استعارة التقانات السينمائية وتوظيفها. التناص ومنطق التمثيل الروائي، التناص الديني. التناص الأدبي والثقافي. التناص التاريخي. أما الفصل الثالث فيكرسانه لتقانات السرد الروائي والملحمي. سؤال المعنى الروائي. تقانة الاسترجاع. موقع الراوي وتعدد فعل الحكي. تسمية الشخصيات. المشهد السردي ومنطق الحلم. التكرار المشهدي.

ويرى المؤلفان أن روايات ملحمة (الملهاة الفلسطينية) تتكشف عن تنوع وتعدد مدهشين في تقانات السرد الروائي والملحمي، الذي ينبع من، ويستند إلى، أرضية تاريخية وجغرافية وحضارية وثقافية صلبة.

ويتسم التعبير الروائي في كتابة إبراهيم نصر الله الروائية بجماليات نوعية تتأتى أصولها من مرجعيات متنوعة: ثقافية واجتماعية وشعرية وتشكيلية وسينمائية، إذ هو يفتح لغته على هذه المصادر ويمنحها حرية قصوى في الأخذ والتأثر والانفعال والمزاوجة والشفافية ... فإبراهيم نصر الله من الروائيين العرب القلائل الذين يتجسد فيهم الحس الروائي الطاغي بضرورة حرية الفعل السردي في مشروع إبداعي اكتسب خصوصيته وتفرده، هذا المشروع الذي كان ثمرة بحث واكتشاف دائمين منذ عام 1985حتى الآن. كما أن له طريقة خاصة في الكتابة مختلفة عن الكتابي السائد في هذا المجال، وبتعبير آخر، ثمة آليات سردية وتقانات خاصة وأساليب ورؤى مختلفة يمارسها نصر الله، تختلف اختلافاً كلياً ونوعياً عن تلك التي استخدمها الكثير من الروائيين وتعارفوا عليها.

ويرى المؤلفان أن روايات (الملهاة الفلسطينية) احتفالية بوح تهبط إلى روح الإنسان الفلسطيني من الداخل، لتخرج همسه العميق وآهته وأنّته الجوانية، برشاقة سردية قلّ نظيرها في روايات التجربة الحية العربية. حيث نكتشف عمق المأساة بدءا من العنوان المطروح لهذا المشروع (الملهاة الفلسطينية) وهذا التفاوت في مثل هذه التسمية إنما له ما يبرره ويفسره.

ويشير المؤلفان إلى أن دراستهما نهضت منهجياً على طراز من القراءة الحرّة التي لم تقيّد أدواتها وآلياتها بالحدود النظرية لمنهج نقدي بعينه، على الرغم من أنها أفادت من منجز السرديات في الإطار العام وعوالمه المتعددة، من أجل الحفاظ على خصوصية هذا المشروع الروائي بقراءة تسهم إسهاماً جمالياً في إبراز ثراء هذه الخصوصية تاريخياً وموضوعياً وفنياً. ولاشك في أن الكون الروائي الذي سعى إبراهيم نصر الله إلى تشييده بجانب كونه الشعري لا يتقدم بوصفه مناهضاً بل مكملاً، فالرواية ـ القصيدة والقصيدة ـ الرواية هي الهاجس الأعمق الذي يحرك حيوات الشعر وحيوات السرد معاً، لذا فإن مفهوم الكون الذي تسعى القراءة هنا إلى تكريسه يفيض عن مفهوم الفضاء ويستوعبه ويتفوق عليه، ويشمل في إطار ذلك جميع العناصر والمكونات والرؤى والمقولات وكل ما تطمح الرواية إلى الاستحواذ عليه وتخصيبه وإثرائه ومن ثم تقديمه، وبكل ما ينطوي عليه مفهوم (كون) من شمولية وانفتاح وحرارة موضوعية تجعل التجربة دائما في موازاة المهارة والتقانة والتشكيل .

وبما أن الملهاة الفلسطينية، هذه الملحمة الروائية المؤلفة من شبكة روايات قد حظيت باهتمام نصر الله الإبداعي على أكثر من مستوى، فقد اقترحت الدراسة أن تتوغل في نسيج ملحمة سردية تحكي قصة شعب بلغة الحساسية والهوامش والتفاصيل اليومية البسيطة، بعيداً عن الشعارات والهتافات والأصوات العالية التي لا تنتج سوى الضجيج والثرثرة.

ويكرس المؤلفان حيزا واسعا من كتابهما لمجموعةالأسئلة التي طرحتها روايات الملهاة الفلسطينية ولعل أهم هذه الأسئلة هي: سؤال الوطن. سؤال الحب. سؤال الموت. سؤال الجنس. سؤال الغربة.
وهذه الأسئلة تتضافر فيما بينها تضافرا إشكاليا جدليا، إذ لا تقوم منفصلة عن الأخرى بل بالاشتباك مع سؤال أو أكثر، إن لم يكن مع الأسئلة جميعا.

فسؤال الوطن وما تبرز معه من مواجهات حادة وضغوطات نفسية يبقى السؤال الأهم والأكثر بروزا وجدلا في المشهد الروائي، ويبقى ذا مذاق خاص ومتفرد، إذ لا يمكن التعامل مع الوطن على أنه مجرد بقعة أرض، بل لا بد من الإحساس بالانتماء إليه وبلوغ حساسيته وتمثّل رؤياه.

فإذا ما انتفى شرط الوجود والحضور كانت الغربة ـ لدى المبدعين خاصة ـ أكثر الأسئلة إلحاحا ونهشا في الجسد العربي، لذا لا يمكن فصل سؤال الوطن عن بقية الأسئلة، وكذا الحال مع الأسئلة التي تتشكل قيمتها في النص السردي مع مقتربات خصبة تحدد اتجاهاتها على وفق منظور يمارس الروائي ـ في ضوئه ـ فاعليته السردية على أساس ترهينات وصيغ وممارسات نشطة ومن الأسئلة التي أثارتها روايات إبراهيم نصر الله سؤال الموت والشهادة، هذا الموت الذي شكّل هاجسا مخيفا ومروّعا في الآن ذاته، لا يميز بين الناس، فهو أحد المفاصل الأساسية التي ارتكزت عليها الروايات جميعا، مع تفاوت كبير في توظيفه لها بين رواية وأخرى.

فبقدر تعلّق الأمر بهذا السؤال يثار هناك سؤال أكثر عمقا يتجلّى في بحث الشخصيات عن الحياة وتشبثها بها، هو سؤال الحياة، فثمة مفارقة ذكية تبرز هذه الثنائية الضدية: الموت/ الحياة، إذ إن (بناء الكون يتمثل في مجموعة من الثنائيات التي تبدو متعارضة ولكنها متكاملة في الوقت نفسه، إذ لا يمكن أن يتم هذا التكامل إلا من خلال هذا التعارض، والحياة مبنية على أساس هذا التكامل) ولقد ارتبط هذا السؤال بمفهوم الزمن والعالم المتغير.

فضلا عن هذين السؤالين يبرز السؤال الثالث الذي يتعلّق بمفهوم الحب ونظرة الشخصيات وحاجتها الملحة إليه، وهو من أكثر الأسئلة إلحاحا في المشهد السردي، ويبرز سؤال الجنس بوصفه سؤالا مركزيا في إجلاء الغموض عن إشكالية المعنى الروائي، وهو في أن يلجأ إلى أساليب مختلفة لا تبتعد عن الأساليب المعروفة عند الروائيين في استخدام اللغة الروائية الدالة، والابتعاد عن الألفاظ النابية التي يمكن أن تشوّه جمالية المعنى الروائي بدعوى الجرأة والتمرد، ولاسيما في مشروع اتخذ من البعد الوطني والبطولة السؤال الأهم في تشكيله الروائي.

وأمام هذه الأسئلة جميعها يطرح إبراهيم نصر الله السؤال الأشد وطأة على الفلسطينيين، والمتمثل بسؤال الغربة، أن يعيش الفلسطيني بعيدا عن وطنه، نازحا، مهاجرا، غريبا، معناه أن يعيش في المنفى.
لا شك في أن هذه الأسئلة تحتشد في بؤرة بث موضوعية مركزية لتؤسس إشكالية المعنى الروائي، التي تتصل بالمقولة الروائية الأساس التي يسعى الروائي إلى تجسيدها في نصوص (الملهاة الفلسطينية)، وربما تتفرع الأسئلة الروائية ـ على نحو ما ـ من سحر المظلة العنوانية (الملهاة) وسيميائيتها، إذ إن مقولات الوطن والموت والحب والجنس والغربة بوصفها أسئلة الإنسان المشرعة في ماراثون البحث عن الحرية التي تتشكل عبر أنشطة الشخصية الروائية، وتتمظهر عبر نمو الحبكة الروائية، وتصنع تاريخها بدلالة الفضاء الروائي.

وهي في الوقت ذاته تضخّ السرد الروائي بنفَس ملحمي يحكي تاريخ الفلسطيني، وإشكالية مصيره في البحث عن الحرية والحياة الحرة الكريمة.
يذكر أن لكل رواية من روايات (الملهاة الفلسطينية) أجواؤها الخاصة وشخوصها وبناؤها الفني المختلف واستقلالها التام عن بقية الروايات.

delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google