آثار الجزائر رمز الهوية وبوابة التاريخ

آثار الجزائر ليست مجرد شهود حجرية صامتة, وليست قطعًا من الفسيفساء المتراصة, أو العملات المطمورة, ولكنها رموز لهوية متأصلة, تغرس جذورها في الرمل, وتمتد عبر أحقاب الزمن, فقد عانى هذا البلد على مدى قرن ونصف من الزمن من استعمار فرنسي طاغ, ظل يشكك في هويته, ويحاول طمس قوميته, ويؤكد للعالم في وقاحة منقطعة النظير - كما تفعل إسرائيل اليوم - أن الجزائر ما هي إلا أرض فرنسية ممتد عبر البحار. وجاءت شواهد الآثار لتؤكد أن هناك شعبا عرف كل طبقات الحضارة البشرية, تراكمت على أرضه, بدءًا من إنسان العصر الحجري, وهو يبحث عن طعامه, إلى ملوك البربر الأسطوريين, ومن قياصرة الرومان, حتى مجيء رايات الفتح الإسلامي, تاريخ ممتد وهوية صلبة ظلت صامتة أمام هذا العته الاستعماري, حتى استعادت الجزائر قوميتها. وكانت الآثار ولاتزال عنوان هذه الهوية القومية.

أمطار غزيرة, وغلالة رمادية تلف البيوت البيضاء والشرفات الزرق, ونحن نعبر الشوارع الصامتة, نعاود الصعود والانحدار. الجزائر العاصمة مدينة غامضة, لا تعطي نفسها للغرباء ببساطة, مساربها شاهقة ومنخفضة وملتوية على نفسها, مثل حلزونة ضخمة, وليست كما تعودنا في معظم العواصم العربية المسطحة.

وعندما وصلنا لم تكن المدينة تعاني فقط من الطقس السيئ, ولكن من القلق أيضا بسبب الغياب القهري لرئيسها (عبدالعزيز بوتفليقة), فقد أرغمته حالته الصحية على المغادرة إلى أحد المستشفيات الفرنسية. وللمصادفة المزعجة, فقد كان المستشفى نفسه الذي مات فيه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات,وعندما طالت غيبة الرئيس, بدأت الهواجس تعتري الشارع الجزائري كله,خاصة مع اقتراب نهاية العام, وكان السؤال: هل سيستطيع الرئيس القدوم ليوقع قانون المالية, الذي يتضمن ميزانية الدولة للعام الجديد? أم أن هذا القانون سوف يحمل إليه ليوقعه في فرنسا على فراش مرضه?

وحسم الرئيس الجدل أخيرًا حين أُعلنت عودته, وخف المطر قليلاً, وتحسن الجو لتُتاح الفرصة لطائرته بأن تهبط ولجموع الشعب حتى تندفع لاستقباله, وفي وسط موكب حاشد حملته السيارة حتى ساحة (الوئام), ـ هو اسم قانون المصالحة الوطنية الذي كان قد أصدره في وقت سابق في هذه الساحة أصر (بوتفليقة) على الترجل من السيارة والسير على قدميه ومصافحة الجماهير المحتشدة,ربما ليؤكد لهم أنه قد استعاد صحته تمامًا, ولم يعد يخشى أيضًا من المخاطر الأمنية, وفي القصر الرئاسي, استقبله الوزراء بعاصفة من التصفيق, فقال لهم ضاحكًا: هذا التصفيق لي لأنني استعدت صحتي? أم لأنني سأوقع قانون المالية الجديد?

وصفق الوزراء مرة أخرى, وانقشعت سحابة القلق, وبقيت السحب الشتوية المعتادة. وكان علينا أن نبدأ مهمتنا في تقصي أحوال الآثار الجزائرية, بالرغم من رداءة الطقس, وبالرغم من تعنت بعض الموظفين الذين شهروا في وجوهنا سلاح البيروقراطية العتيد.

البيروقراطية وسنونها

أولى المشاكل هي التصوير بطبيعة الحال, حتى ولو كان ذلك مجرد صور فوتوغرافية ساكنة, مشكلة حساسة يجب أن يوافق عليها أكثر من جهاز, ويجب أن تحصل - من أجل إتمامها - على أكثر من ترخيص. في البداية أخذنا ترخيصًا من وزارة الاتصال التي تحدد لك الأماكن والمدن المسموح بالتصوير فيها. ولأن مهمتنا كانت تتعلق بالآثار, فكان يجب أن نحصل على تصريح آخر من وزارة الثقافة. وهناك فوجئنا أن التصريح ليس كافيًا, ولكن علينا التوقيع على عقد مكتوب بالفرنسية, والتي لا أعرفها. وطبقًا لما قاله, فهذا العقد يلزمنا بعدم بيع هذه الصور لأي جهة أخرى, وإرسال نسخة منها إلى إدارة حماية التراث, ونسخة من المقال المنشور, وقد وقعنا طائعين على كل هذه الأوراق. وقد استغرق استخراج هذه التصاريح يومين كاملين, ولكن عندما ذهبنا منتصرين للتصوير اكتشفنا أنها في معظم الأماكن لا تعني شيئًا. فالمسئول المحلي لا يعترف بها كثيرًا, ويدعي أنه لم يتلق اتصالاً هاتفيًا يؤكد وجودها, وبالتالي يتم منعنا, وقد حدث هذا أكثر من مرة.

ولكن هذا لم يمنعنا من التجوال والتصوير, معتمدين على التحايل أحيانا, وعلى محبة الشعب الجزائري لمجلة العربي وترفقه بنا في أحيان أخرى.

فرنسا تبحث عن شرعيتها

(ابحثوا عن آثار القديس أوغسطين وغيره من القدّيسين والرهبان, يجب أن نثبت أن هذا البلد كان مسيحيًا في الأصل حتى يقتنع الجزائريون بالدخول إلى المسيحية). هكذا أوصى ( الكاردينال لافيجري) جنود الاحتلال الفرنسي مع بداية انتشارهم على أرض الجزائر عام 1843, كان يعتقد أنه فور أن يقتنع الأهالي أن جذورهم مسيحية سوف يدخلون في هذا الدين ويتخلون عن مقاومة الغزو الفرنسي لبلادهم, من هذا المنطلق شجع الكثير من الأساقفة عمليات البحث الأثري, وشاركوا فيها أحيانًا, بحثًا عن بقايا الكنائس ورفات القدّيسين باعتبارها القاعدة التي يستندون إليها في حركتهم التبشيرية.

كان الهدف الديني واحدًا من أهداف عدة, فقد اندفعت فرنسا إلى الغوص في عمليات البحث عن الآثار منذ أن وطأت أقدامها أرض الجزائر, وبدأ العسكريون بأنفسهم تلك الرحلات الاستكشافية. في محاولة لرسم الخرائط التي تتضمن المواقع والطرق العسكرية القديمة. واستعان الجيش الفرنسي بهذه المعلومات في وضع الخطط العسكرية التي تدعم من إحكام سيطرته على البلاد. كما أن المواقع الأثرية قد أمدت الجيش بالأحجار اللازمة حتى يقوم ببناء التحصينات والأماكن الخاصة لإيواء الجنود, وأعاد إحياء المدن القديمة وحولها إلى حاميات من أجل مصلحته العسكرية.

كما قام بزيارة الجزائر طائفة كبيرة من العلماء الذين قادهم فضولهم العلمي ورغبتهم في إبراز التراث الحضاري للحضارات القديمة في هذه المنطقة, وكان الهدف منها استنطاق الشواهد المادية, وكشف طبقات الحضارات التي تراكمت على أرض هذا البلد, ولم يكن غريبًا أن تتكون العديد من الجمعيات الأثرية والمؤسسات العلمية: مثل مصلحة المعالم التاريخية للجزائر, التي أسست عام 1880 وتولت إدارتها مجموعة من المهندسين المعماريين, والمدرسة العليا للآثار في الجزائر التي لعبت دورًا مهمًا في البحث الأثري, واستقبلت كثيرًا من أساتذة التاريخ والآثار من كل أنحاء العالم, ولجنة شمال إفريقيا التي اهتمت بالبحث الأثري في كل شمال إفريقيا.

وأسفر البحث الأثري الدءوب عن العديد من المواقع الأثرية والكشف عن معالمها التاريخية, ودخلت طائفة من المدن, مثل: (تمقاد وتبسة وجميلة وتيبازة وشرشال وقسنطينة وبطيوة), ضمن المواقع الأثرية, وألحقت بمصلحة المعالم التاريخية ليتسنى لها حمايتها. وقد قامت هذه المصلحة بصيانة هذه الآثار وترميم البعض منها, وإن كانت قد أهملت الآثار الإسلامية, وركزت جهودها على البقايا الرومانية وما قبل ذلك, وتم أيضًا التعريف بالتراث الجزائري, ونُشر العديد من التقارير عن الحفريات في المجلات الأثرية العالمية, وتم جمع النقوش وتصنيفها حسب المدن التي وجدت فيها, وكذا تم جمع القطع النقدية والتعرف على تاريخ صكها, وتصوير لوحات الفسيفساء, ونشر وصفها في سجلات خاصة. ومن المؤكد أن البحث الأثري في الجزائر قد ساهم في إثراء متحف اللوفر بباريس, فقد نقلت إليه الكثير من التحف الفنية والقطع الأثرية, وقد عجز الباحثون الذين نشطوا في هذا المجال في بداية الاحتلال في التصدي لهذا النهب الذي كان منظمًا, ومازالت المحاولات مستمرة من أجل المطالبة باستعادة هذه الآثار.

محاولة طمس الشخصية القومية

وبالرغم من الآثار التي خلفتها الحضارات التي تراكمت على أرض الجزائر, من عصر الإنسان الحجري, إلى ملوك البربر الذين أقاموا أول دولة منظمة في الصحراء, إلى البحارة الفينيقيين الذين تركوا بصماتهم على موانئ المتوسط, إلى سيطرة الرومان أعظم المهندسين الذين عرفهم التاريخ, إلى رايات الفتح الإسلامي التي جاءت لتمزج بين العرب والبربر في عقيدة واحدة, إلى الحكم العثماني الذي جاء منفذًا ليفك الحصار البحري الذي فرضته الأساطيل المسيحية عليها, بعد هذا كله جاء الغزو الفرنسي محاولا أن ينكر تمامًا أي قومية أو هوية خاصة بالجزائر.

لقد كانت القومية الجزائرية أقدم عهدًا من العديد من الدول الأوربية التي لم تعرف القوميات إلا مع بداية القرن التاسع عشر, وهي أيضا قد سبقت الدول العربية التي كانت لاتزال خاضعة للحكم التركي, فقد كانت دولة ذات سيادة منذ أواخر القرن السابع عشر لا تربطها بالدولة العثمانية سوى خيوط من التبعية الاسمية.

وبالرغم من ذلك فقد حاول المؤرخون الفرنسيون نفي وجود هذه القومية كليًا, وحاولت الكاتبة الفرنسية جوان جيسبي الزعم بأن الشعور القومي لم يكن موجودًا ولم تتحدد ملامح الشخصية الوطنية إلا كرد فعل للاحتلال الفرنسي في منتصف القرن العشرين, وحاول الفرنسيون اختزال هذا التاريخ الطويل وتشويهه. وركزوا فقط على الفترة الرومانية في الجزائر واعتبروا أنفسهم الورثة الحقيقيين لها, أما الوجود الإسلامي الممتد فقد صورته فرنسا على أنه فترات من الصراع والاضطراب بين العرب والبربر, بالتالي فهو لا يعد تاريخًا ملزمًا لهم.

وقد ساقت فرنسا كل هذه الدعاوى لتُدْخل الجزائر في حظيرة ممتلكاتها وتحولها إلى مقاطعة فرنسية تطبق عليها (نظام الإدماج), وأن يكون لاحتلالها صفة الدوام. فأعادت تشكيل المدن الجزائرية لتصبح على غرار المدن الفرنسية, وقامت بغرس أعداد كبيرة من الفرنسيين والأوربيين في الجزائر, مكونة منهم طبقة من المستوطنين الذين لا يدينون بالولاء إلا لفرنسا, ولا يدافعون إلا عن مكاسبهم وتأمين مستقبلهم فوق هذه الأرض, وأصبحوا يحتلون مكاتب كل الإدارات الحكومية, كما سيطروا على الاقتصادالجزائري, وامتلكوا ثروات ضخمة من العقارات والأراضي الزراعية مكنتهم من فرض نفوذهم على السياسة الفرنسية, وقد مثل أصحاب (الأقدام السوداء) ـ وهو الاسم الذي أطلق على هؤلاء المستوطنين ـ فئة متعصبة مثيرة للشغب, تحتقر المسلمين وتضطهدهم, وهي تدرك أنها فوق كل عقاب, وإن من حقها إقرار القانون والنظام الذي يصلح له, وكانوا هم الذين عارضوا جلاء فرنسا عن الجزائر بعد انتصار الثورة, وكونوا منظمة سرية قامت بالعديد من الأعمال التخريبية.

وبالرغم من صنوف القمع والإجحاف, فإن القومية الجزائرية لم تمت, على العكس من ذلك لقد نمت وتطورت من الاعتراض والاحتجاج إلى الكفاح المسلح, لقد أيقظت كل محاولات الطمس في ضمير هذه الشخصية, استيقظت العقيدة الإسلامية والروح العربية.

شهادة عالم آثار

(حدث هذا في الساعة السابعة من صباح أحد الأيام, كنت قد أوصلت أولادي إلى المدرسة, وعزمت على التوجه إلى عملي في الجامعة, ولكن بالقرب من شاطئ البحر, توقفت مذهولاً, كان أمامي (بلدوزر) ضخم, وقد شرع أسنانه المعدنية, يستعد للدخول في أحد الجدران القديمة, لم يكن هذا جدارًا عاديًا, ولكنه كان الواجهة الأمامية للحصن رقم 23 كما نطلق عليه نحن الأثريين. ذلك الحصن الذي كان يقيم فيه ربابنة البحر وقباطنة السفن الذين كانوا يدافعون عن السواحل الجزائرية ضد سفن إسبانيا والبرتغال وإيطاليا في القرن السادس عشر. كانت جدران هذه القلعة قد تحملت الحصار البحري وقذائف المدافع وهجمات المغيرين. ولكنها الآن على وشك التهاوي أمام هذا البلدوزر الضخم.

ترجلت من السيارة مذهولاً, وأشرت للسائق حتى يتوقف, لم يفهم سبب اعتراضي, كانت لديه أوامر واضحة بإزالة هذا البناء القديم وتنظيفه من كل ما فيه من ركام وأوساخ. كانت هذه القلعة القديمة قد هجرت منذ زمن بعيد, وأصبحت مأوى لمجموعة من الأشخاص الذين بلا مأوى, وتمكنت السلطات أخيرًا من إجلائهم عن المكان حتى تتمكن من إقامة مجمع سكن جديد, ولم يكن السائق يفهم ما أقوله عن القيمة الأثرية للمكان, وأن هذا تراث بحري يجب أن نحرص عليه. ظل مصرًا على تنفيذ الأوامر, وأوشكت أن أقبّل قدميه لأقنعه فقط بتأجيل الهدم لعدة ساعات حتى تفتح المصالح الحكومية أبوابها.

وافق الرجل أخيرًا على أن يؤجل عملية الهدم لمدة ساعتين. ساعتان فقط, كانتا هما كل ما أمامي حتى أنقذ أثرًا عمره مئات من السنين, ركبت سيارتي وأخذت أعدو بها كالمجنون حتى وصلت إلى إدارة حماية الآثار, وشرحت لمديرها في صوت لاهث المأساة التي توشك أن تتم, وهرع الرجل معي على الفور إلى مكتب وزير الثقافة في ذلك الوقت, وهو الدكتور عبدالمجيد مزياني, وكان رجلاً مثقفًا وواعيًا, ولكنه فوجئ مثلنا بهذا الأمر, فلم يستأذنه أحد, ولم يدر أن هناك مشروعًا للبناء يجري إعداده فوق هذه الأرض الأثرية, وهرع مثلنا يتصل بكبار المسئولين لإيقاف عملية الهدم, وعندما عدت إلى الموقع بعد مضي نصف نهار كامل من الاتصالات والرجاءات والتوسلات, رأيت سائق البلدوزر, وهو ينصرف مبتعدًا, واستطعت لحظتها أن أتنفس الصعداء..)

هكذا كانت كلمات الدكتور عبدالعزيز بلعراج, الأثري الجزائري المعروف, ومدير مشروع البناء الحضاري لأبناء المغرب العربي. وهذه هي أحوال الفترة القاسية التي عاشتها الآثار الجزائرية منذ عدة سنوات. تغيرت الأمور الآن ولكنها لم تصل إلى المستوى الذي يتناسب مع حال الآثار في دولة عريقة مثل الجزائر, لقد عانت هذه الذاكرة الساكنة كثيرًا في زمن الاستعمار من سرقة ونهب وتشويه. وهذا أمر طبيعي, ولكن غير الطبيعي هو ما عانته ومازالت تعانيه حتى اليوم, بالرغم من مرور أربعة عقود كاملة على الاستقلال.

( إنها الذهنية التي لم تتغير بالرغم من رحيل الاستعمار).

هكذا يلخص الدكتور عبدالعزيز بلعراج تفسيره لأسباب تدهور حال الآثار الجزائرية, فالذين كافحوا من أجل إجلاء الاستعمار, لم تكن لديهم رؤية واضحة من أجل إنقاذ الثقافة الوطنية, أي إعادة بناء الأمة على أسس جديدة, ومحاولة استئصال بقية الآثار السلبية للثقافة الفرنسية, فقد حاولت فرنسا إخضاع الجزائريين بأكثر من وسيلة, بسلطة السلاح أولا, ثم اكتشفت أن صوت السلاح كان عاليًا, ويزرع روح المقاومة في النفس أكثر مما يدفع بها إلى الخنوع, فلجأت إلى الإخضاع الثقافي, غيرت اللسان, وحاولت أن تغير الدين وأن تلغي التاريخ الذي يمثل الذاكرة الجماعية لروح الشعب, وعندما رحلت فرنسا أخيرًا, تركت خلفها في المرحلة الأولى من الاستقلال أناسا ينطقون باسمها, ويأتمرون بأمرها, لأنهم قد رضعوا من الثقافة الفرنسية, وهؤلاء لم تستطع الثورة التخلص منهم, بل إنهم تحولوا ليكونوا من أعداء الثقافة الوطنية.

ولكن ما الأسباب المباشرة للتدهور الذي أصاب الآثار الجزائرية?

ويواصل د. بلعراج حديثه, لم يكن للآثار أي عائد مادي, لذا لم يهتم بها أحد, ولا يوجد لها أي أثر في ميزانية الدولة. كما أن القائمين على الإدارة في مختلف الولايات, لم يكونوا على دراية بأهمية الأثر, حتى ولو بدرجة أولية - وجاهل الشيء يعاديه كما يقولون - لذلك فقد ساهمت كثير من الإدارات المحلية في تخريب الكثير من الآثار إما عن جهل أو إهمال. ويجب أن نلاحظ أيضًا أن المدن القديمة في الجزائر آخذة في التوسع, وهذا التوسع العمراني لا يأخذ في اعتباره هذا الموروث الثقافي, وبالرغم من وجود مندوب للثقافة في كل هذه المشاريع العمرانية فإنه لا يؤخذ برأيه كثيرا, ولكن أهم الأخطار هو فقدان الوعي بشكل عام بأهمية الأثر, وعلى سبيل المثال فهناك الكثير من أصحاب المزارع عندما يكتشفون بقايا أثرية داخل مزارعهم, فإنهم يفضلون أن يعيدوا ردمها مرة أخرى حتى يريحوا أنفسهم من وجع الدماغ.

البشر والأثر

معلوماتنا عن آثار الجزائر - أو على الأقل معلوماتي - كانت ولاتزال قاصرة إلى حد كبير. فهذا البلد العربي التليد قد شغلتنا همومه السياسية عن رؤية ما يملكه من ثروات ثقافية, فالمعلومات المتوافرة عنه قليلة ونادرة. وفي الوقت الذي يوجد في مكتبة الأسفار دليل عن كل دولة يرشدك إلى كل مكان تذهب إليه ويصف لك تاريخه, فقد أعياني البحث عن مثل هذا الكتاب بأي لغة. أحد الأصدقاء الجزائريين قال لي: إن هذا الكتاب كان موجودًا بالفرنسية في الستينيات ولكنه لم يعد يطبع الآن.. لم يعد أحد يهتم بآثار الجزائر.

بالطبع كان علينا أن نهتم. ففي الجزائر لا توجد مناطق أثرية معينة, ولكن البلاد كلها عبارة عن متحف مفتوح, عليك أن تلهث في فضائه الشاسع حتى تتعرف عليه. ومنذ أن وصلت الجزائر وأنا أشعر أن قدميّ تغوصان في طبقات من الحضارات المتراكمة, وكانت بداية الرحلة أنا وزميلي المصور من قصبة الجزائر التي كانت هي السبب المباشر.

كنا قد قرأنا خبرًا عن أن بيوت هذه القصبة على وشك الانهيار, وكان هذا المكان الذي يمثل قلب مدينة الجزائر النابض, والذي تولدت في رحمه بذور الثورة الوطنية قد تحول إلى محمية أثرية بقرار من اليونسكو. ولكن البيوت القديمة أخذت في التداعي والانهيار. ولم يبق من الثمانية الآف منزل التي كانت تضمها هذه المحمية إلا ثلاثة آلاف فقط, وقد شاهدت في المنطقة نفسها بقايا أنقاض فندق مكون من ستة طوابق, كان قد انهار قبل وصولنا بأيام قلائل.

تجولنا وسط حواري القصبة الضيقة بجدرانها البيضاء ونوافذها المطلية باللون الأزرق. أصبح التجوال آمنًا الآن. منذ سنوات قليلة كان وجود أي أجنبي داخل القصبة مغامرة لا تحمد عقباها. كنا قد توقفنا قليلا في دار خوديج العمياء, وهو أحد القصور التركية القديمة, والعاصمة الجزائرية غنية بأمثال هذه القصور, ولكن من المؤسف أن العديد منها تحتله الإدارات الحكومية وتحول جدرانها المكسوة بالفسيفساء إلى أرفف لحفظ الملفات, وفي القصبة أيضا يوجد واحد من أجمل المساجد في العالم الإسلامي وهو مسجد (كتشاوا) الذي لا يقلل من جماله إلا هذا السوق الذي يقام على درجه ويحتشد بالبشر والصراخ وهم يبيعون كل شيء.

القصبة مكان غني بالبشر والتاريخ, ولكنه يحتاج إلى جهد خارق من أجل صيانته والحفاظ عليه من الانهيار, وهو الأمر ذاته الذي تعاني منه قلعة (الداي حسين) الموجودة فوق التل القريب من القصبة, في هذا المكان لم يطق الوالي التركي وقاحة القنصل الفرنسي فقام بضربه بالمروحة على وجهه, وكان أن انتهزت فرنسا هذه الفرصة فحشدت أساطيلها وانقضت على الجزائر, هذه الحادثة التي كانت شؤمًا على تاريخ الجزائر قد انسحبت على القلعة أيضًا فلم يهتم بها أحد. حين قمنا بزيارتها كان المطر الغزير لا يتوقف, بحيث أصبح التجوال داخلها بالغ الخطورة. فهي ليست مهيأة للزوار, ويمكن أن تنزلق قدماك في أي مكان تذهب إليه. كانت هناك بعض مشاريع الترميمات تدور في القلعة. ولكن وجدت الطوب الأحمر, وكتل الخرسانة تحتل أكثر من مكان, ولم أدر إن كان هذا ترميمًا أو إعادة للبناء.

تشكو الجزائر من قلة المرممين المهرة, هذا ما قاله لي أكثر من مختص في الآثار, كان الدكتور علي الحملاوي أكثر حزنًا من الجميع, فهو مدير معهد الآثار, وهو معهد متخصص يقع في مدينة سيدي عبدالله إحدى ضواحي مدينة الجزائر. وقال لي: الطلبة لا يعرفون قيمة الآثار, لذلك يسارعون إلى الهرب من الدراسة بالمعهد. ولكننا نحاول ونحن على استعداد لأن نرسل البعثات لأي بلد يملك المهارات الكاملة في هذا الأمر.

والترميم ليس مشكلة الجزائر فقط, ولكنه مشكلة أكثر من بلد عربي, ورث الآثار دون أن يحسن التعامل معها, فالأثر كما يقول د.عبدالعزيز الأعرج, ليس خالدًا ما لم نحاول أن نطيل عمره بأي وسيلة سوف يندثر أمام أعيننا.

ولكن حالة الآثار في بقية المدن الأخرى أفضل بكثير من العاصمة. في قسنطينة عشنا تجربة مدهشة مع المهندسة جميلة حداد ونحن نتجول في مقر أحمد باي, آخر حاكم تركي للمدينة, والذي قاد المقاومة من فوق أسوار قلعتها, وردالفرنسيين عن المدينة ثلاث مرات قبل أن تسقط,وهي واحدة من أجمل وأغرب المدن العربية, معلقة فوق قمة صخرة مثل عش النسر, والصخرة مقسومة إلى نصفين بينهما أخدود عميق تنساب فيه بقايا نهر الرمال. ويربط بين أطراف المدينة سبعة جسور معلقة, بني بعضها في العهد التركي, ومعظمها أثناء الاحتلال الفرنسي, وهي في حد ذاتها بتكوينها وما فيها عبارة عن متحف مفتوح.

سارت المهندسة جميلة معنا عبر أبهاء قصر (أحمد باي), وهي تشرح لنا مراحل الترميم المختلفة, كنا نشاهد تحفة فنية, استردت رونقها وعادت للحياة مرة أخرى, كانت القوات الفرنسية قد اتخذته بعد احتلالها للمدينة مقرًا لقيادتها العسكرية, ولم تكتف بذلك ولكنها بعد أن اكتشفت أن مسجد الباي حسين الذي يجاور القصر يسبب مصدرًا لإزعاجها بسبب أصوات أذان الصلاة وتلاوة القرآن, قررت الاستيلاء عليه وتحويله إلى كاتدرائية, وظل كذلك طوال فترة الاحتلال, وفي عام 1963ظفر المسجد بحريته ونزعت الصلبان عنه وارتفع صوت الأذان من جديد.

تقول المهندسة جميلة: (الآثار الجزائرية في حاجة إلى محبين حقيقيين, الجميع يفكرون في العائد الاقتصادي, ولكن علينا أن نفكر فيما تمثله لتاريخنا وهويتنا. هذا القصر ـ تقصد مقر الباي أحمد ـ صدر الأمر بترميمه منذ عام 1980, ولكن لم يكن هناك من يستطيع القيام بذلك بالرغم من وجود الميزانية المتوافرة. ولم تبدأ عمليات الترميم إلا مع بداية التسعينيات, عندما جاءت شركة بولندية وبدأت تدرب العمال على الطريقة الصحيحة للترميم, لقد استعدنا هذا القصر الآن, ولكن قسنطينة مدينة غنية بالآثار وهي تحتاج إلى جهد مماثل).

بالفعل هناك روح جديدة بدأت تهب على المواقع الأثرية في الجزائر, أحسست بهذا ونحن نقف عند قبر ( ماسينسا) واثنين من المهندسين المعماريين يشرحان خطط تطوير الموقع, يبعد هذا القبر عن مدينة قسنطينة بحوالي 15 كيلومترًا, وهو يضم رفات أحد ملوك الدولة النوميدية القديمة, وهي واحدة من أهم ممالك البربر الكبرى وأكثرها تنظيمًا, وكان الملك ماسينسا يحكم مملكة ممتدة من موريتانيا حتى أطراف تونس, وتحالف مع قرطاج, وقاوم الرومان طويلا, إلى أن انقلب عليه القرطاجيون, حلفاؤه القدامى. لقد تم الآن إقامة سور حول المنطقة التي تحيط بالقبر, وأقيمت مدينة عمرانية جديدة تحمل الاسم نفسه, ويتم إنشاء مشروع ترفيهي حول الأثر من أجل تشجيع السياحة الداخلية.

تحت الخطر

ولكن متى تنبهت الجزائر لحماية آثارها من كل عوامل الانهيار?

لم تفعل ذلك إلا في عام 1980, حين صدر أول قانون لحماية التراث الثقافي للأمة. وقد جاء القانون كما يرى معظم الأثريين متأخرًا بعض الشيء, وغير كاف كما يراه البعض الآخر, ولكنه كان مقدمة - كماقال واضعوه - لاستراتيجيات وبرامج تهدف إلى تشجيع وترقية والمحافظة على المعالم الأثرية والسياحية.

من عيوب القانون أنه لم يضع العقوبات الكافية ضد المخالفات أو الجرائم التي تقع في القطاع السياحي, وكما تقول الأستاذة فريدة بلفراق, أستاذة القانون بجامعة باتنة, إنه لم يحدد كيفية التعامل مع المخالفين للقوانين الموضوعة لحماية التراث. فالقانون يعاقب بالحبس والغرامة كل من يقوم عامدا بتخريب أو إتلاف التماثيل أو اللوحات الموجودة في الأماكن العامة أو داخل المتاحف. ويتشدد كثيرًا في معاقبة من حاول تخريب أو تدنيس مغارات وملاجئ ومراكز الاعتقال للثورة الجزائرية باعتبارها أماكن تمثل رموزًا للكفاح وتضحية المئات من المواطنين. ولكن الواقع يؤكد - على حد تعبير الأستاذة فريدة - أن هذه الأماكن قد تحولت إلى أوكار للفساد وشرب الخمر والمخدرات, ولا أحد من إطارات الدولة يحرك ساكنًا, والمثال الحي على ذلك هو مركز التعذيب بطريق تازولت بولاية باتنة الذي كان مقرًا للمنظمة السرية الفرنسية التي كانت ترفض الجلاء عن الجزائر. وكان من المفروض أن يرمم وأن يحاط بالأسوار ليصبح متحفًا تاريخيًا وشاهدًا على أيام التعذيب, ولكنه بقي مهملاً حتى الآن وهو الحال نفسه مع متحف المجاهدين في مدينة بسكرة, الذي هو عبارة عن مزبلة للتاريخ, وليس متحفًا له بما يحتويه من مناظر مخزية لبقايا العتاد الفرنسي الملقى على الأرض دون رقابة ودون صيانة.

أمام هذا الإهمال تتعرض المآت من القطع الأثرية إما للإتلاف أو للضياع, وتعاني معظم المواقع الأثرية في الجزائر - مثلها في ذلك مثل العديد من الدول العربية - من ضعف الحماية الأمنية. فلا يوجد عدد كاف لحراسة هذه الأماكن التي تحتوي آثارًا تقدر بالملايين. وأحيانا يشارك رجال الأمن أنفسهم في سرقة هذه الآثار وتسهيل بيعها. ففي المواقع الأثرية المكشوفة لا توجد وسائل للأضواء الكاشفة, وفي داخل المتاحف لا توجد أنظمة حديثة للمراقبة بواسطة الكاميرات, إلا فيما ندر. وقد قامت الوكالة الوطنية للآثار برفع 21 دعوى قضائية ضد العديد من الشخصيات الفردية والمعنوية بتهمة إتلاف وسرقة وتهريب الآثار الجزائرية منذ بداية عام 1993. وأشهر هذه الحوادث هي إقدام والي مدينة(باب واد) شخصيا بتحطيم تمثالي العدالة اللذين كانا موجودين منذ عام 1890

وتقع 90% من حوادث سرقة الآثار في المنطقة الشرقية من البلاد قريبًا من الحدود التونسية. فهناك شبكات من المهربين على معرفة دقيقة بمختلف المواقع والمناطق الأثرية بالجزائز. كما أن معظم عمليات سرقة الآثار من المتاحف الجزائرية تتم بالطريقة نفسها أي تتم بالتواطؤ مع موظفين يقومون بتقديم المعلومات والتسهيلات اللازمة, بل وتتم السرقة أحيانًا تحت أعين بعض موظفي الجمارك غير المؤهلين للتعرف على قيمة هذه الآثار ومنعها من المرور.

ومن أشهر قضايا تخريب المناطق الأثرية التي عرفتها الجزائر في السنوات الأخيرة, قضية (الأندلسيات) في وهران, فقد أقدم المتهم في هذه القضية - وهو مسئول ومتنفذ كبير- ببناء مجموعة من المنشئات السياحية في بلدة (العنصر) فوق أحد المعالم الأثرية النادرة تضم بداخلها طبقات وقطعًا أثرية لم يسبق دراستها ولو لمرة واحدة.

بقايا رومانية

تضم الجزائر مجموعة نادرة من بقايا المدن الرومانية الكاملة, لا أعتقد أن لها نظيرا في إيطاليا نفسها,. وبالرغم من أنها آثار دارسة, فإنك تستطيع أن تلمح وسط الركام كيف أنها كانت مدنًا متكاملة زاهرة بالحياة. في تيديس ويتماده وتيبازة, مجموعة من المدن التي تؤكد أن هذه المنطقة كانت محطة مهمة في قلب الإمبراطورية الرومانية. فقد كانوا يطلقون عليها إفريقيا الجديدة. وفي (تيبازة), التي تقع شمال العاصمة الجزائرية بحوالي 60 كيلومترًا توجد واحدة من أجمل هذه المدن, وهناك حدثت لنا واقعة لابد أن أذكرها لأنها تبين مدى ما تعانيه الآثار في الجزائر, بالرغم من أنها واقعة فردية, وبالرغم من أن ضعاف النفوس من البشر موجودون في كل مكان. فبعد رحلة طويلة إلى تيبازة وجدنا أسوار المدينة مغلقة في وجه الزوار, ولم يكن هذا يوم الإجازة المعتادة, ولكن الحارس الموجود على الباب أخبرنا أنهم قد عملوا بالأمس بالرغم من أنه كان يوم عطلة رسمية في الدولة, لذلك فقد أخذوا هذا اليوم إجازة بدلا منه, هكذا دون سابق إعلان, وعبثا حاولنا التفاهم معه,لأننا قد قطعنا مسافة كبيرة, لم نكن وحدنا, كان معنا سائحون من فرنسا وألمانيا وحتى من أستراليا. ثم جاءت رحلة من طلبة المدارس الصغار, أكثر من خمسين طفلاً اشتركوا جميعًا في التوسل إليه وهو مصر على موقفه. وفي خضم التوسلات توصل مرافقنا إلى الحل الأسهل. أخذ الحارس الشرس وانتحى به جانبًا وأعطاه مبلغًا ضئيلا من المال, كان هذا كافيًا حتى يهدأ الرجل ويبحث لنا ـ فقط وحدنا ـ عن باب جانبي يدخلنا منه خلسة إلى المدينة الرومانية. لقد تجولنا وشاهدنا معالمها المدهشة, وأخذنا ما شئنا من الصور, ولكن هذا لم يمنع أحساسي بالغصة في قلبي من العشرات الواقفين في الخارج, خاصة تلاميذ المدرسة الصغار ومدرسوهم الذين لم يعرفوا الطريق الصحيح إلى قلب الحارس.

مرة أخرى, أنا أدرك أن هذا تصرف فردي, ويمكن أن نجده في أي مكان آخر, ولكن أمثال هولاء يسيئون للوجه الأثري في الجزائر, وفي غيرها من البلاد العربية. تذكرت مقابلتي مع العربي ونوغي رئيس تحرير جريدة النصر, وهي واحدة من أقدم الصحف الجزائرية وتصدر في مدينة قسنطينة وهو يقول:( من المؤسف أن الغالبية العظمى من الجزائريين يجهلون القيمة التاريخية والثقافية والسياحية لآثارهم, والكثير منهم يجهلون حتى أماكن وجودها, فهم لا يعرفون أن في مدينة باتنة أهرام توازي أهرام الجيزة في الضخامة والارتفاع, ولا يعرفون أهميتها كجزء من التراث الثقافي العالمي, وكيف أن الجزائر هي مخزن للحضارات, لابد لنا من سياسة ثقافية متغيرة, ولابد للأذهان أن تتغير حتى نستطيع أن نواجه ماضينا بطرق جديدة).

ابنة كليوباترا في الجزائر

كنت أعتقد أنها مجرد رواية خيالية, وقد أثارني عنوانها (ابنة كليوباترا), ودفعني إلى شرائها قبل عدة سنوات, وكنت أعتقد أن المؤلف أندريه أشتون كعادة الكثير من المؤلفين ينسبون إلى الشخصيات التاريخية الكبرى أبناء وبنات لم يوجدوا قط, ولكن المدهش أنني حين ذهبت إلى الجزائر اكتشفت أن كل الوقائع التي اعتمد عليها المؤلف صحيحة في معظمها. فقد كان لكليوباترا ابنة من قيصر هي سيلينا. وقد تربت ذليلة في مقر الإمبراطور أوكتافيوس بعد هزيمة أمها وانتحارها. وعاشت وهي لا تحلم إلا بالانتقام من الرومان والعودة إلى عرش أمها, ولكنها عادت إلى عرش آخر, في بلد آخر هو الجزائر. فقد كان يعيش في روما في ذلك الوقت ابن لأحد زعماء البربر هو (بوبا) وكان أبوه قد ثار هو أيضا على روما ولقي نهاية أليمة, أي أن حال

(بوبا) كان يشبه إلى حد كبير حال سيلينا. ورأى الإمبراطور أكتافيوس أن يعقد بين الاثنين زواجًا سياسيًا, وأن يضع بوبا على عرش نوميديا- وهو الاسم القديم للجزائر- حتى يكفيه شر محاربة رجال القبائل, وأن يتخلص في الوقت نفسه من ابنة عدوته القديمة.

وهكذا تنسج الرواية الخيالية خيوطها على أرض من الحقيقة. فقد أقام بوبا بالفعل مملكة كبيرة تمتد حدودها حتى أطراف موريتانيا, ولكنها تدين بالولاء للرومان, ولم يستطع بوبا أن يحقق حلم زوجته بالاستقلال عن الرومان.

فقد كان كما يصفه المؤرخ الجزائري الشيخ مبارك الميلي: (متشيعا للإغريق في العلوم والحضارة, وللرومان في الحكم والسياسة, عديم الغيرة الوطنية والإحساس القومي).

وقد توفيت ابنة كليوباترا في العام السادس بعد الميلاد وأقام لها زوجها هيكلاً ضخما شرق قصره ولم يزل هذا الهيكل موجودًا إلى اليوم, ويعرف بقبر المسيحية, وهي تسمية خاطئة بطبيعة الحال, لأن سيلينا لم تدن بالمسيحية, إذ لم تكن هذه الديانة قد وصلت إلى الجزائر بعد.

الرايس حميدو

في ساحة الشهداء ينتصب هذا التمثال الشامخ لواحد من أشهر ربابنة البحر الجزائريين, إنه الرايس حميدو بن علي الذي لم تشهد البحار مثله في شجاعته, لم يكن تركيًا, ولكنه كان جزائريًا أصيلاً, وابن لخياط متواضع الحال, عشق البحر وتوجه إليه منذ صغره وترقى من بحّار إلى ضابط ثم إلى أمير للبحر. ولم يكن البحارة الجزائريون قراصنة كما أطلق عليهم الأوربيون حنقًا وغيظًا, ولكنهم كانوا يجاهدون من أجل حماية شواطئهم ومدنهم وحجاجهم وتجارهم من القرصنة الأوربية. وقد كان تسلط السفن الإسبانية والبرتغالية وحصارهم لشواطئ الجزائر هو الذي دفع بالأهالي إلى أن يطلبوا العون من الباب العالي في تركيا. وجاء الأسطول العثماني إلى الجزائر منقذًا, ولم يرد الأساطيل المسيحية فقط, ولكنه حاصر الشواطئ الإيطالية والبرتغالية. وفي عام 1529 كان خيرالدين بارابوسا, أو ذو اللحية الحمراء أميرا للبحار في الجزائر يفرض سيطرته على مدخل البحر الأبيض.

وكان صعود الرايس حميدو وتسيده على إمارة البحرية الجزائرية يتوافق مع قيام الثورة الفرنسية ومجيء نابليون للحكم. وقد استطاع أن يستولي على واحدة من أكبر سفن الأسطول البرتغالي وأطلق عليها (البرتغالية), ثم أضاف إليها سفينة أمريكية هي (الميريكانا) إضافة إلى سفينته الخاصة كان أسطوله الخاص يتكون من هذه السفن الثلاث ومن أربعة وأربعين مدفعًا فرضت سيادتها على البحر لأكثر من ربع قرن. وكان وسيمًا وشجاعًا ومحظوظًا أيضًا. فقد تصادف صعود نجمه مع الفوضى التي سادت في أعقاب الثورة الفرنسية.

ولكنه وقع في خطأ مميت مع أمريكا. فقد كانت الولايات المتحدة قد وقعت على معاهدة مع الجزائر تدفع بموجبها أتاوة مقابل سلامة سفنها, وعندما جاء الرئيس جيفرسون إلى الحكم رفض الدفع, وأصبحت السفن الأمريكية بمنزلة غنيمة ثمينة لبحارة الرايس حميدو. وأرسل الرئيس الأمريكي بعض سفنه لتأديب الرايس الكبير. وقد نشبت معركة كبرى. وبالرغم من تفوق السفن الجزائرية فإن الحظ تخلى عن الرايس حميدو فأصابته قذيفة مدفع قوية قسمته إلى نصفين. وبموته انتهت أسطورة بحرية كبرى, وسواء كان بطلاً أو قرصانًا فقد دافع عن شواطئ بلاده حتى الموت.

المخربون والآثار

أشار حارس مدينة تيديس إلى الأطلال المترامية أمامنا والتي كانت في ذات يوم مدينة عسكرية متكاملة مهمتها الدفاع عن مدينة قسنطينة قال: (لولا عودة الأمان وانحسار العمليات الإرهابية ما استطعنا أن نزور هذه المدينة أبدًا), وبالفعل كانت الآثار الجزائرية قد عانت كثيرًا من موجات الإرهاب التي عاشتها الجزائر في السنوات الماضية, فقد استغلوا هذه الأماكن النائية الخالية من السكان مخبأ مناسبًا لهم, يمكنهم من التحرك ومن مقاومة رجال الأمن ومن الانقضاض على القرى الآمنة, ولم يقتصر الأمر على استغلال المكان ولكنه امتد إلى التخريب والتدمير. ولعل أكبر مثال على ذلك هو ما حدث لضريح أبو مدين في بلدة تلمسان الذي يعود تاريخه إلى عصر أبو الناصر الموحدي, فقد كان هذا الضريح بجانب قيمته الدينية له قيمته المعمارية الإسلامية الكبرى, وحرص كثير من حكام الجزائر وولاتها على تعميره والاعتناء به. وكان الأهالي يلجأون إليه للتبرك وطلب المعونة وقام المخربون بإحراق الضريح سنة 1996وغيره من الأضرحه باعتبار أن التبرك بها يعد نوعا من الخروج عن الإسلام, والأضرحة في الجزائر - كما يقول المؤرخ عبدالعزيز الأعرج: - (كانت تمثل نوعًا من المقاومة الوطنية ضد المحتل. ففي الوقت الذي كان الفرنسيون يحللون نزع جذور الهوية ومحاربة الدين وإرغام الجزائريين على الانسلاخ من تاريخهم القديم, أخذ الأهالي يبنون الأضرحة كنوع من التمسك بجذورهم ودينهم وهويتهم, لقد كان المخربون يقومون بإعدام جزء مهم من تاريخ كفاحنا الوطني).

محمد المنسي قنديل

delicious | digg | reddit | magnoliacom | newsvine | furl | google | yahoo | technorati | icerocket | pubsub

Google