ترجمة الفصل الاول من كتاب جيمز لونكينباخ في
"الشعر الحديث بعد الحداثة" طبعة جامعة اكسفورد عام 1997 .
"إن الشعر الحداثي لديه الحل للاتجاهات المتناقضة – التي عزلت وبولغ فيها في ما بعد الحداثة – والتي تبدو كلاً منها بشكل مفزع معارضة للأخرى وللمراحل المبكرة للحداثة". هذه العبارة كتبها تقريباً راندال جاريل . فحيث كتب جاريل "رومانسي "وحديث استبدلتهما "بحداثي" و"ما بعد حداثي" وكانت النتيجة عبارة لا تقدم فقط مدخلاً جيد لبداية الحديث عن تقلبات الشعر الأمريكي خلال العقود القليلة الماضية لكنها أيضاً تذكرنا بتلك التقلبات التي اتبعت نمطاً مر علينا سالفاً .(1)
إن الكلمات التي أضعها على لسان جاريل هي له ، فجاريل لم يكن بتاتاً الشخص الأول الذي استخدم كلمة ما بعد حداثي ( قد ظهرت مبكراً في عام 1926 في مناقشات عن الثيولوجيا الحداثية ) ، ولم يكن كذلك الشاعر الأول الذي يشعر أن الحداثة الأوروبية قد طواها الماضي ، فقد كتبت لورا ريدنك وروبرت كريفز في 1928:" من الممكن الآن أن نصل لموضع تنظر فيه الحركة الحداثية لنفسها بتعاطف تاريخي ( كمناقض للعصري (2) ) . لكن بإعادة تفكير في العلاقة المعقدة من الشعر الحداثي والرومانسي فإن جاريل مهد الأرض للنقاش الأول المفيد عن الشعر الذي كتب كردة فعل على أعمال ت . س . اليوت وولاس إستيفنز ومارياني مور ، فقد كتب يتساءل في 1942 : " من يصدق أن الحداثة تنهار سريعاً جداً ؟ " (3) ، اليوم – بعد أكثر من نصف قرن – فإن إحساسنا بالحداثة يستمر في التغير لكن تمييزنا للشعر ما بعد الحداثي غالباً أيضاً ما يعتمد على الأفكار القديمة الطراز للحداثة . في حين أن معظم قراء شعر الحداثة رفضوا منذ زمن بعيد القصص التي أمدهم بها النقاد الجدد مثل ألن تيت وكلينيث بروكس فإن نفس القراء غالباً ما يميلون لتلك القصص ليغالوا فيه النمط السياسي والرسمي للشعر ما بعد الحداثي .
وهنا مثالٌ واضح على تلك المبالغة في هذه الفقرة من " النظام " لجون أشبيري .
" لعدة أسابيع تكتشف ما يبدو الطريقة المثلى للفعل . تكتشف وجود مفترق في الطريق ، لذا تتبع أولا ما يبدو أقل وعداً ، أو - بأية حال – الأكثر وضوحاً من بين الفرعين حتى تشعر بأنك كونت فكرة جيدة عن المكان الذي قادك إليه . ثم تعود لتفحص الطريقة الأكثر تشابكاً ولفترة ما يبدو أن تعقيداته تعد بتعقد أكثر وبالتالي تصبح هدف عملي لك، من الممكن أن نستدل على المرء بأي عدد من الطرق لذا فإنأجزائها وأوضاعها من الممكن تفحصها بالكامل . وبهذا الفعل تبدأ بإدراك أن الفرعين مرتبطين معاً مرة أخرى بل وأبعد من ذلك ندرك أن مكان الارتباط هذا هو النهاية أيضاً وهو المكان ذاته الذي انطلقت منه – والذي هو خليط غير محتمل من الواقع والفنتازيا – يداهمك على الطريق الذي أصبح الآن دائرة كاملة "
وبتمييزنا لهذه العبارات كإعادة صياغ جوري بيرلوف عن هذين الشاعرين لكنها تعتمد على قراءتنا لفروست كشاعر حكمة أكثر منه الشاعر الذي - في " الطريق غير المسلوك " - يقوض مثل أشبيري الأفكار البسيطة عن الاختلاف ويقترح أننا نحيا في نوع ما من اللا تحديد (4). المتحدث في قصيدة فروست يريد أن يصدق بأن اختياره لأحد الطرق بدلاً من الآخر يصنع كل الاختلاف. لكن تورياته تكشف أن الطرق لا تصنع مطلقاً الاختلاف.
ثـم اتخذ الآخر، تماماً بالعـــدل،
وربمـا كـان له الأرض الأفضـل.
لأنه كان معشوشباً وينقصه الإهتراء.
بـالـرغـم أن المـرور هنــاك.
قـد أبلاهـم فعـلاً بنفـس الطريقة
من المغري الظن أن نثر أشبيري هو خطوة متقدمة عن الأبيات الشعرية رباعية التفعيلة لفروست لكن حالما نميز التوريات في " الطريقة غير المسلوك " (" تماماً بالعدل "، " ربما الأفضل "، " فعلاً بنفس الطريقة " ) حينها يبدو " نظام أشبيري كتكرار لتشكك فروست أكثر منه ارتداد عنه.
أولئك الذين يقصون القصص عن الشعر ما بعد الحداثي هم عادة اكثر اهتماما بالفروقات النقاشية أكثر من الذين يعايشونها إلا أن القصة الأكثر شيوعاً أمدنا بها - جزئياً على الأقل - الشاعر الذي وظيفته التبرير. وباختزال القصة بملخص بسيط تصبح كما يلي : بعد كتابة بضعة كتب ( موضوعية وغير شخصية ) تنتمي للنقد الجديد وُمدحت كثيراً فإن روبرت لويل آمن بأن الشعر يمكن أن يكون متشظي وذاتي وشخصي وكانت النتيجة " دراسات حياتية "، والتي كانت منعطف تارخي في شعر القرن العشرين. تخبرنا " دراسات حياتية " نفسها هذه القصة فالكتاب يبدأ بقصائد سابقة تستدعي قيم الكنسية العالية في الأعمال المبكرة للويل ثم ينتقل لقلق الشعر الحر في قصائده عن عائلته وانهياراته الذهنية. أحياناً يتحدث لويل عن هذه النقلة " كإختراق " كما لو ان الشعر الحر ليس نوعاً من بين عدة أشكال لكن نقلةً أكثر منها مجرد أدبية (5). يبدو أن الصحة السياسية والنفسية ممكن أن تتحقق بكسر التفعيلة الخماسية.
هذا الإختراق يقدم قراءة محدودة وغير ملائمة حتى لأعمال لويل. لكن في "عصر لويل " -كما لقبه إيرفن أهرينبريس - وجد القراء إختراق جمالي مشابه (غالباً مترافق مع إنهيار نفسي) في أعمال كثير من معاصرين لويل خاصة جون بيريمان وثيودور رويثكي : تقاس منزلة الشاعر بقوة ما يسميه ناقد ما - بخصوص رويثكي - " الإختراق الشهير الذي جرت العادة على الحديث عنه "(6). إن قصة حياة لويل في الشعر أصبحت - كما قال في قصيدته الاخيرة " لجون بيريمان " - قصة جيل.
حقاً نحن نملك الحياة ذاتها
الحياة العامة
التي قدمها جيلنا
ربما قد وافق على هذه السطور الشعرية حيث انه في السنوات الأخيرة وافق أحياناً على شعور لويل بمحدودية حداثة اليوت. قال بيريمان عن بنية " تكريم السيدة براد ستريت " : " دعونا نملك سرداً وعلى الأقل شخصية واحدة مسيطرة وبلا تشظي ! بإختصار دعونا نملك شيئاً ما بشكل مذهل وليس " الأرض اليباب "، كما قال عن بنية " أغاني الحلم " : " السبب الذي دعاني ان أسميها قصيدة هو معارضتي الشديدة لنهج إليوت - اللاشخصية [ الموضوعية] في الشعر " (7).
الخطر أن هذا ليس مجرد حاجة جيل أن يميز نفسه عن الجيل السابق بقدر ما هو نظرية مشتركة للشعر الامريكي ما بعد الحداثي - نسميها الاختراق - تفسر ظاهرياً ليس فقط اعمال لويل وبيرمان لكن أيضاً و.س.ميروين وفرانك أوهارا وإدريان رايخ وكثيراً جداً من الشعراء الحديثين. في " من الحداثي للمعاصر " يوظف جيمز بريسلن قصة اعمال لويل - مؤكداً مساواتها الضمنية بين الحداثة والمدرسة الشكلية فهي مجرد صنعةً وتراتب سخيف - ويضع في إعتباره الآخر إختراق بشكل عام في الشعر الأمريكي : " في هذه اللحظة من الأزمة أصبح الشعر مرة أخرى متشظي، ناقد لثقافته، ولماضيه القريب، ولنفسه - عن طريق تنكره للحداثة التقليدية - فالشعر الأمريكي أصبح مرة اخرى حداثي لكنها حداثة الحاضر"(8). بدت الحداثة من هذه القصة كحركة توصف قصائدها بسهولة بالتقليدية والموضوعية والتراتبية. وبرغم ان قصة مفيدة فإن استمرار اعتقادنا بها يعتمد ( نقولها ببساطة ) على قرارة الأرض اليباب كقصيدة موضوعية وموحدة. وهذا ما حشد له كلينث بروكس منذ خمسين عاماً لكن من الصعب ان ندعم هذا الرأي موضحين بان معرفتنا باعمال اليوت قد زادت في نفس الوقت الذي زاد فيه شكنا بقيم مثل الوحدة والموضوعية.














