السعودي باشراحيل: القصيدة العامودية هي قصيدة الحكمة

قصيدته آتية من مكة المكرمة أم الحضارات ومهد الرسالات الإنسانية، ومن أرض “عمر بن أبي ربيعة” و “كثير عزة” ومن شروق البيت العتيق أضيء بضياء الإسلام العظيم ومن المعلقات الشعرية وأسواق الأدب المشهورة في مكة المكرمة سوق عكاظ وذي المجنة وذي المجاز وغيرها.

الشاعر السعودي عبد الله باشراحيل صاحب جائزة باشراحيل للشعر والأدب، قدم أكثر من ثلاثين كتاباً شعرياً في الوطن والحياة والإنسان والحرية والحب والقيم، يرى بأن “ليس للشعر وطن كما أنه ليس نتاج الصحراء أو البحر أو الفضاء والشعر الحق هو إبن الحياة والواقع لا يختلف إلا باختلاف الموهبة ودرجة الإنفعال والثقافة والقدرة على رسم صور الوجود بلغة تجذب الإحساس وتترك الإنفعال الذي يحدث أثره في النفوس”.
وفي هذا الخصوص يقول الرئيس الجزائري الأديب عبد العزيز بو تفليقة عن شعره “كلما قلبت صفحة أضاءت لي قناديل الريح ميداناً آخر من ميادين الحياة المتنوعة اقتحمها الشاعر بقوة بعثت في نفسي الشك في أراء كثر من النقاد الذين قالوا بأن البيئة لها اثر كبير في ما ينتج الأديب ورجح عندي ميدان العبقرية في الفن والإبداع”.

الشعر خلاصة الثقافات

يرى باشراحيل “أن الشعر هو خلاصة الثقافات ورأس الفنون فهو يهذب النفس ويرقق الطباع ويبعث على الرقي والتسامي والفروسية وهو ديوان العرب.. وهو أي الشعر يقوم على التجارب الحياتية أو بمعنى أدق” – كما يقول- “على الإنفعال الذي ينضج التجربة ويستكبتها وينطق الأحداث في صياغته للكلمات واستيحاء المعاني والصور التي تجسد الأحداث والتجربة المؤثرة شعرياً”.

يؤمن عبد الله بشراحيل بالقصيدة كفعل تجديدي حضاري إنساني والقصيدة المتعارف عليها عنده مكوناتها نتيجة بناء أخلاقي وحضاري في لغة تتمازج مع الخيال والموسيقى والتجديد يكمن برأيه في الصورة والفكرة التي تستدعي القصيدة.. ويؤمن أيضاً بالحداثة شريط ” أن نكون مبتكريها ومحدثيها لا تابعين لحداثة الغير فلنحدث الأحدث من حداثة الغرب”. ولا مانع لديه من تلاحق الأفكار لينتج الأثر والتأثير الأدبي الذي يبرز هوية وقيمة العمل الفكري أو الأدبي، أي أننا نريد حداثة تنتجها عقولنا حتى وإن تمردت على المألوف شريطة أن تكون في إطار العبث بالذوق والمعرفة، ومناصبه العداء للأضداد دون فهم لحقائق الوجود سوى الإتباع والإعتماد على فكر الآخرين بلا أدنى كلفة أو جهد.

حكمة الشعر وسحر البيان

وبالرغم من انشغال الشاعر بنظم القصيدة الكلاسيكية إلا أن له تجارب شعرية بالنسبة لشعر التفعيلة ولقصيدة النثر لكنه يجد أن القصيدة الكلاسيكية أقرب الى نفسه كما يقول بما لا يباعد بينه وبين شعر التفعيلة فالقصيدة العمودية أو الكلاسيكية برأيه ” هي قصيدة الحكمة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: إن لمن الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً، لأنه في ذلك العصر لم يكن يوجد شعر التفعيلية ولا قصيدة النثر وإنما كان الشعر وكان النثر وكانت التسميات موضوعة في نطاقها وموضوعها وكانت الأشياء تسمى بأسمائها ولكن ذلك لا يجعلنا نتقوقع في إطار واحد طالما أننا نستطيع أن نجدد ولا نهدم وأن نطور ولا نبتذل”.
هو يرفض مقولة أن القصيدة ضبا نورها. فهذا يعتبر ضرباً من المستحيل والعكس صحيح فلسوف يخبو كثيراً من الشعر المتهالك وسيظل الشعر المتعارف عليه (ديوان العرب) لأنه هو الذي حكى تاريخها وهو الرمز الذي حاكى الشعوب والأمم واصطلح على تسميته شعراً وما عداه سوف يبقى منه أقل القليل والجميع يدرك الآن مرحلة تصحيح الرؤى والمفاهيم وعندما يذول المنظرون لهذا الفن يعتقد باشراحيل أن كل شيء سيعود الى طبيعته.

إهدار دم الشعر

يكاد الشعر بنظر الشاعر السعودي عبد الله باشراحيل أن يكون من الفنون المنقرضة كالحيوانات المنقرضة وذلك بسبب إهدار دم الشعر الأصيل أو الحكم عليه بالسجن المؤبد، لأنه لا يرضي غرور المستقلين على أكتاف الشعراء والشعر الحقيقي الذي يترك تأثيره على المتلقي لا الذين يتلذذون بطلاسمهم وتحميل المعاني أكثر مما تحتمل والإغراق في التعمية بحيث يصبح الشعر أحاجي وألغاز لا يفهمها إلا أصحابها وربما لا يعرفون هم أنفسهم ماذا يقصدون في ما يدعونه شعراً متهالكاً مكسر الأوصال والحروف والكلمات والمعاني ويزعمون أن هذا هو الإبداع.

أن الشعر العربي بنظر الشاعر الذي أطلق جائزته للثقافة منذ فترة وترجمت كتاباته الى اللغات الإنكليزية والإيطالية والفرنسية والألمانية والإسبانية، سيكون مرآة النفوس والأوطان وفي ذلك يقول ” رغم كل ما يجري لا يزال الشعر هو الناطق الرسمي باسم الفنون وباسم الأحداث وهذه المرحلة ستعيد هوية الشعر العربي الى مكانها الذي يرتقي ولا يسقط بفعل الأضداد. والتحديات التي يواجهها الشعر بمحاولة خلخلته كموهبة فاعلة وكأداة واستبداله بالرواية، التي لم تكن ضمن فنون التراث العربي إضافة الى الساعين بوعي او من دون وعي في محاولة تقزيم الشعر وإخفائه وهذا دليل العجز عن الإبداع الشعري”.

يكون الشعر بنظر عبد الله بشراحيل جميلاً وأجمل عندما يتداخل مع أحاسيسنا وإنفعلاتنا ويتردد في عيوننا وأسماعنا ويعمل في النفوس. في موضوع النقد والناقد يرى بشراحيل أن الناقد المتمكن النزيه يساهم في تعريف الشاعر بمواطن الجمال أو العيب في شعر أي شاعر، “لولا النقد لما عرفنا جيد الشعر من رديئه فالنقد هو الميزان الذي يزن به الناقد القيمة الشعرية في شعر الشاعر. والحمد لله فقد درس شعري على مستوى العالم العربي واجتزت بتمايز منقطع النظير كل مراحل التنظير النقدي الى الإشادة والإعجاب بل والى استكشاف رؤى تشهد بقيمة شعري ورقيه والى الإعتراف ببكارة الأفكار ونبل المقصد وسمو الهدف”.

عبد الله بشراحيل شاعر الأصداء والصمت، شاعر المرأة والحياة، نون النسوة والتأنيث في مسيرته لهما موقع الصدارة والطهارة والحب والوفاء، هي رافد العطاء والنعمة الإنسانية وشعره يشهد بأن الوجد حنين الحياة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*