جائزة “اللوفر” للتشكيلي وجيه نحلة

اختير الفنان التشكيلي الرائد “وجيه نحله” من بين عدد قليل من الفنانين الكبار العالميين لينال الجائزة الكبرى للفن في متحف اللوفر في باريس كأفضل فنان عالمي. وهذه الجائزة تمنح لكبار التشكيليين الذين لهم مدرستهم الفنية الخاصة بهم؛ وتوقيعهم المميز الذي بمناسبة معرض تقنيات الفنون المعاصرة الذي أقيم أخيراً في باريس في مشاركة فنانين أوروبيين ويابانيين. كما غادر “نحلة” إلى أميركا ملبياً دعوة ولاية أريزونا حيث شارك في معرض الفن المعاصر في مدينة “الرابية” على أساس أنه فنان أوروبي، يحمل الجنسية الأوروبية، واختيرت أعماله من قبل لجنة متخصصة من بين أفضل الفنانين العالميين كما قال لـ “الخيمة” لافتاً أنه رسم أعماله في الهواء الطلق أمام الجمهور، الزائر، كونه من بين الفنانين القلائل في العالم الذين يجيدون هذه الحرفية، خصوصاً بعد موجة الطبع والنسخ والتزوير السائدة.

أعمال “وجيه نحلة” تؤرخ لمرحلة كونية تمتد لأكثر من أربعين عاماً، وهي تأخذ الرائي إلى عالم نوراني صافٍ تتداعى فيه الرموز وترمي حالاتها على فواصل الزمان والمكان، فهو يقدم المرأة الأنثى كما يقول في حالاتها الطهرانية الصوفانية والحصان الجامح المتوهج بين نيران مائجة من الألوان النارية والفسفورية والزرقاء والخضراء وزهرة اللوتس والنرجس التي تشبه تشريحاً جسد المرأة وانفعالات الولادة المعبرة عن كينونة الإنسان.
هذا الفنان مجده في تشكيله الخاص به وفي إبداعه لوحة ذات نكهة خاصة ومميزة يفوح عطرها أريجاً مغمساً بقبلات العشق، والطيران والطوفان في جزر قمرية أشبه بتسبيح السحر. عالم وجيه نحلة يعبر إلى النورانية وألوانه ذات فلسفة خاصة تسأله أن يشرح هذه المقاربات والمفارقات، يقول “تلك أبجديتي التشكيلية التي لم يفك أحد أسرارها بعد، والأرجح لن…، من زمان وأنا أعاين السر الذي ينغلق فلا يفكه إلا أنا..، من يوم ترك الانطباعية أتجه صوب الحرفية التي لم تعد معه تخطيطاً مسطحاً بل اختطاطا عميقا نحو الأعلى، صوب المدى الأرحب، نحو الله…ومع حروفياته أخذت ترقص الحروف على عزف الروح في ألوان القزح. “لم تعد اللوحة أحرفاً راكدة، أصبحت علاساً من الأحرف الراقصة المتمايلة المتحركة حتى ليتعب الإطار ولا تتعب اللوحة” توغل في الذات في الداخل في النفس (الأنيوية) الأمارة بالجمال، حيث خرّج من أشكاله تشكيلات لا هي بالهندسة الجامدة ولا هي بالتخطيطية الزخرفية ولا بالتزوي، هناك البوح والتوغل في ما بعد حيث رسم الضوء وضاقت به الريشة.

بعض أعمال هذا الفنان تشبه المقامات، واللون سمة أساسية نابعة من عروج ومخيلة وهوس وإشارات ترميزية ونصوص فيروزية يشرحها مثيراً بأنها: “حالة من التوهج اللوني والنورانية الداخلية وإنسيابية الإيقاع الموسيقي في الحركة والتأليف لبناء اللوحة، فتختلج نشوة الخيال بتلقائية تعبيرية تفوق حدود التصور وأطر المقاييس والأساليب غنها مرحلة زهور النضج الذاتي وإختمار الذوق والتجربة والثقافة اللونية الرفيعة.

ففي هذه المرحلة تتماهى رموز الإلهام والخيال في وحدة عضوية آسرة حاذقة ترسم حدود الطيف على خلفية فيروزية تموج وتتمايل على مختلف إيقاعات ومشتقات الأزرق. فليتصف الطيف بالنور بالجبال والسماء والغيوم دون حدود يقول: ” غنه الذوبان اللامتناهي لجمالية الكون والروح والفن إنها الرؤية المنفردة للفن وحركة الوجود والخلق والإبداع نورانية الشرق مهبط الإلهام والوحي”.

نسأله كيف يرسم كيف يشرح شخصيته؟، يداعب باقة ألوان بين أصابعه ويقول: إنه بالضوء يرسم لا بالريشة، بالنبضة يهدل لا باللون فقط، ألوانه من رعشة وأعصاب قماشته من هيولي شخصيته من غيرية وسماع أعماله في العالم عنوان للبنان، والرسم عنده إبداع ومغامرة وهو ضرب الرقم القياسي في الحجم والسرعة والفكرة المختزنة في داخله، يتفاعل مع فنه ليصبح كمن يعزف البيانو، وفي عمق ذهنه شيء من الحس الغامض، يغوص الى أعماق البحر ويكتشف كل الكنوز غير المرئية، متجدد يسعى جهده ألا يسلك درباً كان قد سلكها سابقاً لأنه يعمل للغد للعالمية التي لا تتحقق عنده إلا من خلال إنسانية تتبلور وتترجم المشاعر الإنسانية في أمكنة لا حدود لها في أي مطرح من العالم.

هذا العاشق للون المولود في الالجنوب اللبناني عام 1932 حدثنا عن بداياته مثيراً بانه تتلمذ على الفنان الكلاسيكي الإنطباعي مصطفى فروخ وظهرت أولى أعماله الفنية عام 1952، شغل عدة مهام فنية في لبنان والوطن العربي والعالم.. أسلوبه أسلوب فنان عانى تجاذبات عالم يسير نحو التنميط الجامد، يتوق الى الخلاص منه عبر إستدارات وهروبات يغلفها بحث روحاني حار واضح تماماً في لوحاته.

هو بدأ إنطباعياً وعن هذه المرحلة حدثنا وجيه نحلة قائلاً “لم تكن المرحلة الإنطباعية لتدوم عندي بعد العام 1957، إذ رحل مصطفى فروخ الذي أسر الى قبيل رحيله، وكان عاد من باريس نقولا النهار وجان خليفة وإيلي كنعان ورفيق شرف بمدرسة تجريدية نوعاً ما في الفن التشكيلي”، يومها قال له فروخ “عندك نورانية هذا الشرق فتش عليها”. في تلك الأيام تزوج وجيه نحلة ولم يكن معه ما يسد مصاريفه راح يجمع طوال السنة ما يتيسر من مال حتى تمكن ان يسافر الى إسطنبول… زار المتاحف كان يدخل اليها التاسعة صباحاً ويخرج مساءً لا يترك شاردة او واردة إلا ويعمل عليها إستكشاف ليكتشف أول الحرف الذي كثيراً ما إستغل حسب تعبيره لافتاً بأنه طاف كل البلدان حينها من تركيا الى العراق وأصفهان والنجف وبغداد وإيران شاهد الفريسك والسيراميك الإسلامي ذا الطابع الإيراني الى حدٍ ما فرسم كل ذلك بشغف لينتقل دارساً الى إيران ومن ثم الى مصر حيث وجد المتحف العربي الإسلامي غنياً بالأرابيسك والمحفورات الخشبية التي تعود الى أيام السلاطين العثمانية وأخذ عنها أشياء كثيرة ثم بدأت أولى محاولاته الحروفية سنة 1957-1958 .

في البداية غاب الإنسان عن غالبية أعماله ليدخل الحرف إنساناً آخر كان الحرف بدائياً وكان طموحه كبير تلك الأيام فأخذ قراراً إذ قال في نفسه سأعمل أربع مراحل في حياتي منها مرحلة الإكتفاء المادي ثم أدخل المرحلة التزيينية الزخرفية الإسلامية وكانت بدأت منطقة الخليج في التطور، واهتم بالتراث الإسلامي طورته عملت منسوجات وزجاجيات زينت قصور المملكة لكني الآن أمتلك حقي وأعمالي شاهدة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*