د. عبد الستار البدراني – بين نشيد الفوضى وإيقاع الفجيعة

شرط القراءة الدالة أن لا نعلن إخفاقنا أمام كتابة ترتدي حجاباً، فكما يقول ابن عربي “كل كتاب حجاب” وليس لنا إلا أن نقتطع من هذا الوجود شفافيات تسهم فعلياً في الكشف عن مرايا تكور جراحها بين نرجسية البث والتباس القصد ..!

وأعتقد أن الشرط – أيضا – في شعرية الشعر هو اللحظات التي تجعل من (النص) نبضاً مبهماً يداهم رتابة الإيقاع، ليقدم حضوراً مفارقاً، قد يدهش الواقعة ويهشمها، لكنه يستدعي المتلاشي وراء فضاءات اللغة، تلك التي تفرض غالباً سلطة (نوياتها الصلبة) على أفق قرائي يؤمن بالملتبس على حساب يقينيات هشة لا تحتمل وجودها إلا لحظة قراءة مفردة منفردة ولا ينكر أن شرط الجمالي لا يتمظهر إلا من خلال وعي قرائي يبتعد عن خطية الرسم ليتشكل وينكتب في فضاءات التموج…

ونصوص بهنام عطا الله (مظلات تنحني لقاماتنا)، ليست أفقا للمتعة وإنما هي مرايا تداهم جرحها لتنكتب خطاباً إنسانيا يخفق في طقوس الألم مستثمراً الأشياء بوصفها شرط الحضور أمام احتمالات الغياب.
ويبدو ذلك واضحاً بنظرة سريعة إلى صفحة المحتويات لنجد مفردات كثيرة تشير إلى الغائب مثل (الخرافة، ظلال المعاني، بنية الفراغ، محطات تبحث عن معنى..) واللافت في المرسلة الشعرية هو التوتر الذي ينطلق من لعبة التسمية ليحاول إظهار خفايا اللعبة، في زمن جعل شفافية الشعر بوابة للقهر أكثر منها مفتاحاً للتحول نحو النبوءة والسلام والحقيقة. فمن الصعب على الشاعر أن يغير بقوة (اللغة) ومن الصعب عليه أن يجعل من (حروفه وحبره) جسداً يضيء ظلمات المعنى في فوضى لا ترحم، ففي قصيدة (وتشم عطر فجائعي) نلاحظ ثنائية في التسمية تدخل بين العام والخاص (الحياة/ العصر ، الغبار/ اللسان) ولا يخفى ما للغبار من قدرة على زيادة العتمة وانعدام وضوح الرؤية فضلاً عن قدرته على إثارة حساسية الجسد وإقفال منافذه الضرورية للحياة ..

ما نحصل عليه في حياتنا
هو الغبار …
والغبار فقط !!
” فتعالوا ،
نجر هذا العصر من لسانه المبتذل
ونمشي عراة
لقول الحقيقة …” !!

يحاول (الأنا) هنا أن يظهر قدرته على الإبصار في عالم مقفل من كل الجهات والزوايا، لكنه يعلم جيداً، أن (اللسان) آلة الكلام القادرة على توصيل ما في أذهاننا إلى الآخر ليست أكثر من هشاشة (وابتذال) تعمل على تزييف العالم من حولنا، ولذلك لابد من أن نخلع عنا كل الأسمال لنظهر أمام الآخر على حقيقتنا: متوجعين، متلبسين بالبوح الجميل، لكنه/ لكننا، لن نحصل على أكثر من (مواعيد يابسة، وبلاغات كاذبة).

هكذا ببساطة شديدة لا تنتج (الحياة) ولا (العصر) إلا نبوءات تتردد في فضاءات مبعثرة ومنذ أزمنة بعيدة غير أنه سيعمل على أن لا يستسلم لها وسيبقي كلمة (لا) التي ستركع تحت قدميه (نعم) لحلم يخلع صدأه.
لا شك في أن الذاكرة ورشة تقيم في حرائقنا، وتفتح في لحظات انفصامنا واتصالنا نوافذ مقموعة لحلم/ أحلام مكتومة ومؤجلة (فجائع، هزائم، جروح، بنادق…) مساطب للنار لا تثرثر من أجل دفء قلوبنا ولكن لتجعل من سعاداتنا رماداً يتشكل على منصات (المتاحف) الباردة..
معك مازال الدرب لجوجاً.. أيتها المتاحف .. فثمة
سخرية تشطف مكائدنا وتلقي بها على الأرائك…

وآه من حلم رهيف تضيعه (سخرية) عمياء فيترك أثرا أبديا يلازمنا في كل مكان حتى في أسرتنا؛ مكان خصوصيتنا، فتلوث صفاء لحظاتنا السعيدة وتملأنا بالرتابة والرثاثة والهلع المحاصر بالمتاهات القريبة أو القصية.
ولعل الخلاص لا يأتي إلا من أمكنة العبادة وزخم العلاقات الروحية تلك التي تعزل الإنسان عن محيطه الملوث لتعيد تشكيله من جديد سمواً وانطلاقاً إلى عالم البرزخ:
مغاليق النشوة
تشهق في (مقر تايا)
أو (دير السيدة)
يمتد مثل غيمة حطت على أنفاس (الشيخ متى).

هذه جغرافيا الروح تحول أشياء الذاكرة إلى مسارب للنشوة؛ لأن العالم كله لا يساوي لحظة فرح تسطرها ذاكرة الطفولة ..
ولا شك في أن الشاعر طفل يختفي في رجل، فهو يريد امتلاك العالم بوساطة الحلم إلا أن براثنه المهشمة تدفعه غالباً إلى الاتكاء على صخرة (النشيج) فالعالم ليس عشاءً ربانياً؛ إنه إرث لتجريب الألم واحتضان الهاوية، والسعيد هو ذاك الذي يستطيع أن يكون (نداً..؟) ويحتضن الأضداد ثم يخرج منها معمّداً بماء التمرد وجنون العبور.

إيقاعات الفجيعة / تماثيل المتاحف /
مزامير النوايا المتقاطعة ….
إنها حيوات مسورة بنبض الرعشة
تشهد القيامة بكثافة الصمت
تزكم جهاتي / تعفر سلالاتي
ترتب يافطاتي / بلاطاتي الرطبة
وإجازاتي الدورية ..
تتدلى ذاكرتي من فجوة ستائرها
مسدلة تئن …
تهذي في هياكلها المرتعشة ..
من رائحة الدم / راجمات الفصول
هي ….
مهابط للذة ومكابدات الركام..؟

أليست الأمكنة هنا مزاغل للتذكر مصابة بلعنة التشظي، هي معادل للذات الشاعرة بكل ما فيها من تراكمات واحتمالات واختلافات؛ والذات الشاعرة هي الحاملة للعلاقات بكل إرهاصاتها مخمورة بنشوتها ومنتشية بخمرتها …‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

إن (بهنام عطا الله) في نصوصه (مظلات تنحني لقاماتنا) ولادة بهية تحاول برفضها وتمردها أن (تمحو الخطايا) أو تستكشفها لتختار بين ذات خلاصية وأخرى نكوصية. ولا أجانب الحق إذا قلت إنّ الشاعر يتحرر من سطوة العذاب بلغة رائعة تجعل منه أنموذجاً لكتابة مفتونة بالمتخيل.

د. عبد الستار البدراني
sattaralbadrani@yahoo.com

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*