غوردون ليدي يغذي ثقافة الخوف بحجة مكافحة الإرهاب- من سجين سابق إلى أشهر مقدمي البرامج الإذاعية اليومية ..

ومن قادة التيار الجمهوري المحافظ
كان غوردون ليدي، قبل اكثر من ثلاثين سنة، رئيس فرقة «بلمارز» (سباكين)، وهو اسم غير رسمي لفريق من الجمهوريين المتطرفين، خلال ادارة الرئيس نيكسون، تخصص في مضايقة الديمقراطيين، وكشف اسرارهم.
وقاد ليدي، في سنة 1972، فرقته الى مبنى «ووترغيت» في واشنطن، حيث رئاسة الحزب الديمقراطي، لسرقة وثائق. لكن الشرطة كشفت العملية، واعتقلت ليدي والذين معه، وتطور الموضوع الى «فضيحة ووترغيت» التي كانت سبب استقالة الرئيس نيكسون.


ومن قادة التيار الجمهوري المحافظ

كان غوردون ليدي، قبل اكثر من ثلاثين سنة، رئيس فرقة «بلمارز» (سباكين)، وهو اسم غير رسمي لفريق من الجمهوريين المتطرفين، خلال ادارة الرئيس نيكسون، تخصص في مضايقة الديمقراطيين، وكشف اسرارهم.

وقاد ليدي، في سنة 1972، فرقته الى مبنى «ووترغيت» في واشنطن، حيث رئاسة الحزب الديمقراطي، لسرقة وثائق. لكن الشرطة كشفت العملية، واعتقلت ليدي والذين معه، وتطور الموضوع الى «فضيحة ووترغيت» التي كانت سبب استقالة الرئيس نيكسون.

وحوكم ليدي بالسجن لعشرين سنة بتهم التآمر والسرقة والتنصت غير القانوني. لكن الرئيس كارتر اعفى عنه بعد ان قضى خمس سنوات في السجن. واختفى ليدي لعشر سنوات، ثم ظهر تدريجيا، حتى اصبح اليوم واحدا من اشهر مقدمي البرامج الاذاعية اليومية، ومن قادة التيار الجمهوري المحافظ.

ولا يزال ليدي، حتى اليوم، يقسم بأنه لم يستحق السجن بسبب ووترغيت، ولم يكن على الرئيس نيكسون أن يستقيل. وهو يقول إن اميركا لم تنهزم في حرب فيتنام (هزمها الصحافيون والليبراليون)، وأن الرئيس ريغان اعظم رئيس في القرن العشرين (حتى اعظم من الرئيس روزفلت). وكان يجب على الرئيس بوش الاب ان يغزو العراق بعد حرب الخليج (ويريح ابنه من المهمة).

وبعد هجوم 11 سبتمبر، وجد ليدي فرصة ذهبية ليهاجم، ليس الارهابيين فقط، ولكن، ايضا، الاسلام والمسلمين، في اميركا وخارجها، الذين يعادون اميركا والذين لا يعادونها. واستغل مناخ الخوف الذي اجتاح اميركا، وفعل شيئين: اولا، بعث الخوف في نفوس الاميركيين، وثانيا، قدم لهم نصائح لحماية انفسهم. وكسب، في الحالتين، مزيدا من مستمعي برامجه الاذاعية، ومزيدا من مشتري كتبه.

تعليم مكافحة الإرهاب

اصدر ليدي، أخيرا، كتاب «الرد على الارهاب بطريقة غوردون ليدي». وكتب في المقدمة بانه صاحب خبرات أمنية (اشارة الى دوره في «ووترغيب»). وكتب: «لم اتراجع عن مواجهة خطر. ولم انسحب امام هجوم. وعندي نصائح لمواجهة الارهاب بكل انواعه». واضاف: «تعال الى غوردون ليدي اذا كنت لا تعرف كيف تواجه الارهاب».

قدم ليدي في كتابه نصائح عن الآتي: اولا، طريقة تفكير الارهابيين. ثانيا، اهداف الارهابيين المتوقعة، ثالثا، كيفية تحاشي هذه الاماكن، رابعا، وسائل احتياطية لحماية المنزل والمكتب والطريق بينهما، خامسا، توقع الخطف والاحتياط ضده، وسادسا، شراء معدات وقاية ضد هجوم نووي او جرثومي او كيماوي.

وربما لم تكن هذه النصائح غير عادية لو لم يستغل ليدي مناخ الخوف، ويبالغ في التخويف. ولو لم يتعمد الاشارة الى المسلمين، في اغلبية الحالات، وكأنهم الخطر الوحيد الذي يواجه اميركا.

عائلة إندونيسية

ضرب ليدي مثلاً، عائلة من إندونيسيا جاءت الى اميركا لقضاء اجازة الصيف:

عمر الاب اربعون سنة، وعمر الأم ثلاث وخمسون سنة، وعمر البنتين التوأمين ست عشرة سنة. عندما وصلوا الى نيويورك اصيبوا بحمى وبرد. تناولوا ادوية عادية، لكن حالتهم تدهورت، واكتشف الاطباء انهم «عائلة انتحارية».

وكشفت الشرطة ان شقيق الوالد، وهو طبيب في اندونيسيا، عضو في منظمة «الجماعة الاسلامية» المتطرفة هناك، وانه حقن الاربعة بحقن قال انها للوقاية من امراض السفر، لكنها كانت، في الحقيقة، حقنا جرثومية.

وتعقدت المشكلة اكثر لأن «الاسلحة الجرثومية» اكتشفت بعد اسبوع من وصول العائلة الى اميركا، وبعد ان سافر الذين كانوا معهم في الطائرة الى ولايات مختلفة، وحمل كل واحد وواحدة الجراثيم القاتلة. وتعقدت المشكلة اكثر لأن الرئيس الاميركي تردد في اعلان الخبر، خوفا في اثارة الرعب في كل اميركا، وبحثوا عن المصابين في الولايات التي سافروا اليها. لكن تلك كانت مهمة مستحيلة، ومضى اسبوع آخر قبل ان يعلن الخبر، ولكن بعد فوات الاوان.

فرض الرئيس الاميركي حظرا صحيا على نيويورك وشيكاغو ولوس أنجليس وواشنطن ومدن اخرى، واغلق الحدود، واوقف رحلات الطائرات من والى الخارج. وكان ذلك سبب تعطل الحياة في كل اميركا.

عائلة اميركية: وفي الجانب الآخر، ضرب ليدي مثل عائلة اميركية، وقدم للاميركيين نصائح لمواجهة مثل خطر الاندونيسيين:

اولا، حفظ اطعمة ومشروبات تكفي لشهر كامل، ولا بأس من اطعمة «باوربارز» الجاهزة. (اشار ليدي الى هذه الماركة التجارية، وانتقد ماركة «نيوتريغرين»، مما اثار الشكوك في انه يقدم دعاية، ربما بمقابل، للأولى).

ثانيا، تخزين اجهزة أمن وسلامة مثل: راديو بطارية، وهاتف موبايل ببطاريات اضافية، وادوية اسعاف اولية، وصفارات لحالات الانذار، وجهاز تنقية الماء.

ثالثا، تخصيص غرفة في المنزل لتكون «قلعة» تتحصن فيها العائلة، واجراء تغييرات مسبقة فيها حتى تكون جاهزة عند الحاجة. وعزلها عن العالم الخارجي (لأن الجراثيم ستكون في كل مكان).

رابعا، شراء كمامات واقية من الاسلحة الكيماوية والجرثومية لكل واحد من افراد العائلة، ولبس ملابس تغطي الساقين والذراعين، وتغطية الانف والفم والعينين.

خامسا، تحديد منزل، او غرفة في فندق، في مكان بعيد للانتقال اليها عندما يقع الهجوم الكيماوي.

كتب ليدي عشرين صفحة عن استعداد العائلة الاميركية لهجوم كيماوي. وكتب مائة صفحة عن استعدادات عامة، سواء في المكتب او الشارع او البيت. وكتب ثلاثين صفحة عن المنظمات الارهابية التي يتوقع ان تهاجم اميركا (اغلبيتها اسلامية). وكتب عشرين صفحة عن انواع الاسلحة الكيماوية واشار الى تصريح ادلى به، قبل سنوات، توم ريدج، وزير أمن الدولة السابق، قال فيه: «أمأمنا خياران لا ثالث لهما: نخاف او نحتاط».

لكن ليدي والوزير نسيا ان يحددا الخطر:

يحتاط سائق سيارة من اصابة سيارة اخرى بأن ينتبه (لن يخاف اذا فعل ذلك). ويحتاط انسان من دخول السجن بأن يطيع القانون (لن يخاف اذا فعل ذلك). ويحتاط الانسان من الفصل من العمل بأن يؤدي واجبه (لن يخاف اذا فعل ذلك).

لكن كيف يحتاط انسان من خطر مجهول؟ وحتى لو تأكد بأن الخطر حقيقي، كيف يحتاط وهو لا يعرف توقيته؟ هل سيهجم عليه ارهابيون بسلاح كيماوي غدا، او في السنة المقبلة او بعد عشر سنوات؟ وهل يعرف من هم هؤلاء الارهابيون؟ هل كلهم مسلمون؟ وكيف يفرق بين مسلم ارهابي وآخر غير ارهابي؟

هناك مشكلتان فيما يتعلق بهذا الكتاب:

اولا، كاتبه صاحب سوابق، لم يعترف بها، ولم يتب منها، ومقدم برنامج اذاعي غوغائي.

ثانيا، حتى لو كانت نيته حسنة، فإنه لم يقدم حلا عقلانيا لمواجهة الارهابيين، بل ركز على تخويف الناس من خطر ليست له أوصاف محددة ولا يعرف توقيت وقوعه.

مؤلف الكتاب يثير الشك بأنه يسعى وراء فائدة شخصية: يريد ان يوزع كميات كبيرة من كتابه، ويريد الدعاية لأدوية واطعمة ومشروبات معينة (حدد اسماءها في الكتاب). ويريد تنصيب نفسه مشفقا على سلامة المواطن الاميركي العادي، وناصحا له.

لكن ليدي ليس الوحيد في مجال التخويف الذي اصبح بسبب هجوم 11 سبتمبر، تجارة رابحة:

ألف مؤلفون كتبا عن «الأمن»، واسس استثماريون شركات «أمنية»، واخترع فنيون اجهزة «أمنية»، ووضع عُمد مدن كاميرات «أمنية» في الشوارع، وظهر في التلفزيون خبراء «أمنيون»، وتخصصت جامعات في دراسة «الأمن».

واهم من ذلك كله، هناك وزارة «الأمن»، اول وزارة من نوعها في تاريخ اميركا، بينما كانت مثل هذه الوزارات مقصورة على الدول الدكتاتورية والشيوعية.

واشنطن: محمد علي صالح

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*