كارمن بستاني تضيء على اديبات حوض المتوسط (المرأة والكتابة) تكريماً لـ فينوس خوري

كلود أبو شقرا تكريماً للكاتبة اللبنانية باللغة الفرنسية (فينوس خوري – غاتا)، اصدرت الدكتورة كارمن بستانـي اخيـراً كتابـاً فـي عنـوان (المـرأة والكتابـة) (بالفرنسية)، بالتعـاون مـع ادمـون جـوف (Jauve) (أستاذ في جامعة باريس الخامسة في السوربون). وهو يتضمن سلسلة أبحاث تحليلية حول اشكالية الكتابة بالفرنسية لنساء حوض المتوسط اللواتي انتجن ادباً رفيعاً لا سيما في السنوات الاخيرة. يسلط الكتاب الضوء على النساء – الكاتبات في كل من فرنسا (بما فيها كورسيكا)، ايطاليا، تونس، الجزائر، المغرب، مصر، لبنان، والدينامية التي احدثتها والتي عمت ضفتي المتوسط وانتشرت الى ابعد منهما، الى ايران. تعود د. بستاني (استاذة محاضرة في الادب الفرنسي في الجامعة اللبنانية) في كتابها الى ميتولوجيا حوض البحر المتوسط المتميزة بحضور انثوي قوي من خلال صورة الأم وهيمنة العلاقة مع الابن، والغاء صورة الاب الكلي السلطة. وتتناول تطور هذا الحضور وصولاً الى اليوم معتبرة ان سلطة الامهات اليوم في المتوسط تحتلاحظ بستاني ان صورة الام متماهية ايضاً مع اللغة، ضمن اشعاع ثلاثي محوره الارض والام واللغة، ففي هذا المتوسط الفرانكفوني، تشكل اللغة حالاً من الضغط للادباء الذين اختاروا الفرنسية وسيلة تعبير، وتدفع الى الخلق الدائم المرتكز على التأملات الخيالية الانثوية ومعانيها وحدودها. وذلك في محاولة لتعريف الكتابة الفردية الانثوية في انفتاحها المتعدد الوجوه على اللغة الفرنسية. الهدف من هذه الدراسات هو اظهار حقيقة المرأة وواقعها من خلال ما تكتب هي، وليس من خلال نظرة الرجل وكتابته عنها. ضمن هذا الاطار الثقافي – الاجتماعي، وتحت تأثير الحركات التحررية للمرأة، لا بد ان تنجح المرأة في تأكيد ذاتها، وديناميتها، على الرغم من العوائق التي يفرضها الدين والعادات والتقاليد لا سيما في الحوض الشرقي للمتوسط.ولت الى سلطة انثوية تترسخ يوماً بعد يوم على الرغم من توصيات الدين.

أدب (الأنا)
تؤكد د. بستاني من خلال دراساتها للادب النسائي ان أدب (الأنا) الذي انتشر في الغرب، بقي محدوداً في الشرق، لان العالم الاسلامي العربي الذي يفرض الحجاب على المرأة، يسعى الى جعلها غير قادرة على البوح عن مشاعرها والتعبير عنها.
اللافت ان المرأة الشرقية ثارت على هذا الواقع التي تفرض محو الفرد في مجتمع (الأمة). هنا تكمن اهمية الرائدات اللواتي تمردن في كتاباتهن وتجرأن في الخروج الى دائرتي الضوء والحرية.
ذكرت بستاني على سبيل المثال. الكاتبة الجزائرية (آسيا دجبار) (Djebar) في كتابها (العطش)، وهو رواية مكتوبة بصيغة (الأنا) (1957)، والكاتبة اللبنانية (ليلى بعلبكي) في كتابها (أنا أحيا) (1960)، رواية ذاتية … وقد ساهمت أولئك الاديبات في كسر القيود التي كانت تمنعهن عن التحدث عن انفسهن. وقد انتشرت هذه الظاهرة في شكل كثيف في السنوات الاخيرة، بحيث باتت المرأة الكاتبة، تعبر بكل حرية عن مشاعرها وعن انفعالاتها.
ان التعبير عن (الأنا)، الذي كان ولا يزال محور الصراع الانثوي، يضع في دائرة الضوء وضع المرأة امام نفسها وامام المجتمع، في أدب ذاتي، لتميز بالضجيج وبالحركة، وضمن كتابة تجمع بين الجسد وبين الروح.

أدب المتوسط الشرقي والغربي
يتضمن الكتاب قسمين: أدب البحر المتوسط المشرقي، وأدب البحر المتوسط الغربي.
يتناول القسم الاول محورين. يتصدر الادب اللبناني باللغة الفرنسية المحور الاول، من خلال نصوص نقدية لاعمال الاديبة (فينوس خوري – غاتا)، لا سيما (المعلمة). وقد حللت بستاني عبره الابعاد الاسطورية في الكتابة الانثوية. اما (إفلين عقاد)، فقد عالجت في دراستها المنشورة في الكتاب علاقة (فينوس خوري – غاتا)، بالكتابة الشعرية والقصصية في اطار السرد الشخصي.
تتناول (كريستيان مكورد)، في دراستها نصوصاً للكاتبة اللبنانية بالفرنسية (أندريه شديد)، تتمحور حول شعور الجسد، ذكريات الجسد، وذاكرة الجسد، في حين تعالج (فرانسواز كولين) الاقصوصة عند شديد التي ترمي الى الوصول الى الحقيقة.
في الاطار نفسه، تدرس (لوسي لوكين (Lequin)، أعمال الاديبة اللبنانية المقيمة في مونتريال. منذ بدايات الحرب في لبنان، التي تسعى من خلال شخصياتها الى الوصول الى الصفاء والى الفرح على الرغم من الآلام والمعاناة. اما جمانة دبس، فتتناول نظرة المرأة – الكاتبة الى مسائل الشرق الاوسط والامة العربية من خلال كتاب (طائرة من ورق) للكاتبة (دومنيك إده).
في المحور الثاني، يعالج (مارك كوبر) (Kober)، وضع المرأة المصرية التي تركز في أدبها على طغيان عالم الذكورة. ويلاحظ ان اللغة الفرنسية في مصر هي لغة خلق، في حين تعتبر (ماري هودبين) (Houdebine) ان هذه اللغة، استخدمتها المرأة، الكاتبة في مصر وفي الشرق وصولاً الى ايران، بغية المقارنة بين الفوارق الجنسية في الشرق وفي الغرب.
اما (آني غروبر) فتناولت أدب الكاتبة الجزائرية (آسيا دجبار) التي ثارت من خلاله على السلطتين السياسية والدينية. وتحلل (دنيز ابراهيمي) أدب (مالكة المقدم) على المستوى الوجودي انطلاقاً من تركيزها على سيرتها الذاتية.
يركز القسم الثاني من الكتاب حول الادب النسائي في المتوسط الغربي، الذي يسيطر عليه أدب الاغتراب القائم على الجمع بين الثقافات والنضال من اجل البقاء. من الامثلة على ذلك، ذكرت الدراسات في الكتاب الكاتبات المهاجرات الى بلجيكا وفرنسا، من اصل مغربي (ليلى صبّار، ليلى هواري، ومنّه سيف …)، معتبرة ان مسيرة تلك الكاتبات، تهدف الى تغيير ثوري من وجهة نظر اجتماعية.
تلاحظ معظم الدراسات ان نضال المرأة من اجل تحقيق ذاتها، وإثبات وجودها، يعود الى اواخر القرن الثامن عشر مع الاديبة الفرنسية (أولمب دو غوغ (Olympe De Gouges) التي دفعت حياتها ثمناً لنضالها في سبيل حقوق المرأة. وتخليداً لذكراها كتب ادمون جوف دراسة حول هذا الصراع القائم على المساواة بين المرأة والرجل.
في محور آخر من الكتاب، تضمنت الدراسات معاني الانثوية المعاصرة عند الكاتبات المهاجرات الى ايطاليا، وجرأتهن في تخطي الحواجز الدينية والتقليدية، من خلال نضجهن في الرؤية الى الحياة والى العلاقات بين الرجل والمرأة، بعد احتكاكهن المباشر بتقاليد الغرب وانفتاحه في هذا المجال.
كما تضمنت ميل الكاتبات الى الكتابة التاريخية. لانهن، على الرغم من كسر القيود التي كانت تكبلهن في مجتمعاتهن الاصلية، الا انهن حافظن على جذورهن، وحاولن من خلال الكتابة التاريخية الجمع بين الذاكرة والخيال، والذاكرة والتاريخ، بغية حماية هويتهن من الذوبان في المجتمعات التي هاجرن اليها.
تجدر الاشارة الى ان معظم الابحاث الواردة في الكتاب، القيت في الندوة حول (النساء والكتابة في حوض البحر الابيض المتوسط) التي عقدت في باريس ونسقتها د. بستاني بالتعاون مع ادمون جوف.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*