محمد الفيتوري: نحن الشعراء كلنا ساقطون

محمد الفيتوري شاعر كبير، ما يزال على قناعاته الفكرية والسياسية والشعرية على رغم التحولات الكبيرة التي يعيشها العالم العربي المعاصر يرى أنه في هذا الزمن الساقط يسقط كل شيء حتى الشعراء. شاعر صلب، لم يهادن ولم يساوم، ولم ينتقل من ضفة الى اخرى حرصاً على مصالحه، بل حفر مكانه عميقاً في الارض. محمد الفيتوري تلك الهامة الفلسطينية بامتياز، فلسطينية الهوى لا الهوية، المنصهرة في عذابات ابن الارض، والملتحمة بنضالاته وجراحاته والمتطلعة الى يوم التحرير الموعود. محمد الفيتوري هو العربي بامتياز، المتوغل في اصلاب القضايا العربية، من المحيط الهادر الى الخليج الثائر، والمسكون بهواجس العربي، الساعي دائماً الى الخلاص من كوابيس الحكام، والانظمة والسياسات التي تعود عليه مزيداً من القهر والظلم، والحرمان. كانت له لقاءات وأمسيات عدة في بيروت تطرق فيها الى الشعر وهمومه الانسانية.

رأى الفيتوري في لقاء له في بيروت أن “الشعر لا بد ان يكون له قضية، الشعر لا ينبع من الفراغ والشعر لا ينبع من الارض فقط، بل ينبع من الانسان والتصاقه بالارض والتراب، والشعر في هذا التصور ينبع من البحث في الشكل الشعري وهناك نظرية تقول انه لا علاقة للشعر بالواقع ولا علاقة للشعر بالانسان ولا علاقة للشعر بالاحداث التاريخية، هذه نظرية معروفة في التاريخ وأنا لا اؤمن بها، لكن اؤمن انه لا يمكن ان يكون هناك شعر دون ان يكون هناك انسان وراء هذا الشعر، ودون أن تكون هناك قضية وآثار تسهم في تدفق الابداع وتوهجه”.

وتابع الفيتوري “الشعر يأتي من خلال تفاعل الشكل مع الشكل، والبحث وراء الشكل، وكل الشكليات، سواء كان الإيقاع أو اللفظ أو الصورة، كلها يجب أن تخدم قضية واحدة هي قضية الشعر، وارتباطه بالإنسان وهنا نرجع إلى ما قيل قديماً “الفن للفن”أم الفن للواقع وللإنسان. أنا ضد أن يكون الفن للفن. ليس هناك فن للفن إلا في عالم الخرافة والأوهام، وأحياناً في الكتابات الصوتية المتجرّدة، والشعر أولاً وأخيراً يجب أن يكون مرتبطاً بواقع الحياة الاجتماعية، وبالإنسان في عذاباته وطموحاته، وبالمستقبل والماضي، وبكل ما يتدفق من الروح الإنسانية المتوهّجة”.

وقال “إن تجريد الانسان العربي من كل قدراته الابداعية يهدف إلى تحويله لمجرد صور منسوخة عن قوى أخرى لها تأثيرها الواضح في رحاب هذا الوجود”.
ورأى الفيتوريان الشعر سقط قائلاً “أعتقد ان هذا حدث ناتج عن التحولات الرهيبة التي عرفتها المجتمعات الانسانية، وخاصة في مجتمعنا العربي، حيث فقدنا حريتنا. وفقدنا أنظمة ذات علاقة وثيقة بالإنسان، وفقدنا القيم الدينية والموروثات والأعراف وفقدنا حتى العلوم المعاصرة، لم نعد نحن معاصرين. ولا نحن قدماء. بتنا مثل الأشباح، تتحرك في الهواء. وهذا أفقدنا الكثير الكثير من قوانا، ومن قدرتنا، وهذا هو الذي عزلنا عن ممارسة واقعنا الإنساني، والذي أدّى بدوره إلى إسقاط الشعر، الشاعر لم يعد ابن عصره. بل أمسى اليوم كأي معنى تافه وسخيف، يرقص أو يغنّي على إيقاعات سيقان راقصات، ويتطلع إلى أضواء ليست له على الإطلاق، الشعر العربي المعاصر ليس جوهر الشعر، هو الذي سقط، نعم وقد سقط الشعراء. نحن شعراء ساقطون كلنا”.

وتابع “كلّنا ساقطون بنسب متفاوتة في هذا العصر. لم يعد لدينا مثلاً، أبو الطيب المتنبي ليس لدينا اليوم شاعر بقدرته ولا بعمق تأثيره بالحياة، ولا بتداخلاته في الكون، عندما كان ينتقل أبو الطيب من النجف إلى كربلاء، ومن كربلاء إلى الشام، ومن الشام إلى مصر.. لم يكن في انتقاله باحثاً عن زينة أو زخرف، وعن مجرد أشكال إيقاعية، كان يبحث عن الانسان، بحثاً عن جوهر الحياة الاجتماعية التي يعيشها، وبحثاً عن الاحداث التي تتمخّض خلالها. ولذلك كان هناك إبداع. عندما نلتقي بشعر يبقى على مدى العصور التي عبرت، من أبي الطيب إلى عصر أحمد شوقي إلى عصر شعراء المهجر في العالم، سواء كان جبران أو ميخائيل نعيمة أو نسيب عريضة أو إيليا أبو ماضي، عندما نقرأ هؤلاء الشعراء نجد انهم لم يفارقوا مجتمعاتهم، ليس بالجسد لكن بالفكر. وليس بالروح لكن بالواقع. كانوا دائماً ضمن حركة المجتمع الإنساني، والمجتمع العربي والمجتمع الفكري ولذلك وجدوا في التاريخ، واستطاعوا أن يغيروا، وأن يوصلونا نحن إلى ما وصلنا إليه. نحن كشعراء، في هذا العصر، فقدنا قيمتنا، لأننا فقدنا أنفسنا وفقدنا علاقتنا بالواقع الاجتماعي، وفقدنا قيمنا الإنسانية. ولم نعد نمثّل شيئاً على الاطلاق. ولذلك يزعم بعض المدعين أنهم شعراء، سواء أكان الذين يدّعون التصوّف أو الذين يطلقون على أنفسهم Ceralisme هذا كله إفلاس وليس تجريداً. لأن التجريد في التاريخ هو عمل وتلخيص وتركيز وتكثيف الاشياء. أما نحن فتجاربنا تثبت أننا مجرد ضباب ومجرد فراغ. نسير في الهواء الطلق بدون ماض، وبدون مستقبل”.

وألح من جديد “اننا كشعراء اصحبنا مثل المغنين في هذا العصر، مثل راقصات هذا العصر، مثل جماعات الـ (Video Clip) يعتمدون على ايقاعات، على سيقان، على افخاذ ثم لا شيء ووراء كل هذا ابتسامات باهتة ورؤوس محنطة وأفكار ساقطة ورؤى مضمحلة وتوجهات نحو عصر خاو من الابداع، من الروعة، من الجمال، ومن القيم الحقيقية للانسان”.
هذا رجل يصرخ من اعماق قلبه للأمة ويقول لها “استيقظي” من الخمول، ومن الضعف والانهيار، من الخمول الذي تعيشين فيه. اذاً عندما قال محمود امين العالم بعض الكتاب الذين لا يعبأون بما قاله الفيتوري حتى هذه اللحظة، لا يعرفون ماذا قال سنة 1956 وفي دواوينه الشعرية الاولى حول افريقيا، والتي لم يقل شاعر قط منذ بداية التاريخ حتى الآن مثل هذه القصائد التي جاءت في “عاشق من افريقيا” و”اذكريني يا افريقيا”، و”أغاني افريقيا”، و”احزان افريقيا”. لم يقل شاعر قط منذ بداية التاريخ حتى هذه اللحظة ما قاله الفيتوري، كان يمتص كل الاحاسيس التي ورثها من بعض اجداده، ويعبر عنها وعن سوء حظهم وعن معاناتهم الشديدة في العبودية والرقة، والاهانات التي تعرضوا لها. لم يكن هو الذي يتكلم، كانت تتكلم الوراثات، الدماء، الجينات الخفية التي لم يكن يعيها على الاطلاق، كان لهذه المصائب، ولهذه الاتعاب تأثيرها، وأسبابها التي تفتقت بها شاعريتي.
وذات يوم عندما وقف محمد الفيتوري يقول: “انا لا املك شيئاً غير ايماني بشعبي وبتاريخ بلادي” هذا موقف انساني وبلادي ارض افريقيا البعيدة وهي هذه الارض التي تعشق العطور والخرافات واعشاب الحقول.

ولد عام 1936 بالسودان ونشأ في مدينة الاسكندرية،هناك حفظ القرآن الكريم درس بالمعهد الديني بالاسكندرية ثم انتقل إلى القاهرة أكمل تعليمه بالأزهر كلية العلوم عمل محررا ً أديبا ًبالصحف المصرية والسودانية وعين خبيرا ً إعلاميا ً بالجامعة العربية1968- 1970عمل مستشارا ً ثقافيا ً في السفارة الليبية بإيطالياشغل منصب مستشارا ً وسفيرا ً بالسفارة الليبية ببيروت

ثم مستشارا ًسياسيا ً وإعلاميا ً بسفارة ليبيا بالمغربيعتبر الفيتوري جزءا ً من الحركة الأدبية السودانية
دواوينه الشعرية: أغاني افريقيا – عاشق من افريقيا – إذكريني يا افريقيا والبطل والثورة والمشنقة- شرق الشمس .. غرب القمر وغيرهم حصل علىجائزة الوسام الرفيع – وسام الفاتح- 1988وجائزة الوسام الأذهبي للعلوم والفنون والآداب في السودان.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*