مهى بيرقدار: الشعر من الطقوس النورانية وليس هذياناً

شاعرة الصمت، تكتب بوحها صلاة غياب. همسها إبتهال الحالمات اللواتي ينشدن الفرح من عناق الضوء.
مهى بيرقدار الخال الشاعرة المستوحدة والرسامة الجميلة التي تقول الشعر بوحاً وقلباً ووجداً. أصدرت أخيراً ديوانها “الصمت” عن دار مجلة “شعر” وفيه رؤية كونية ورؤية حلمية تنداح نحو حقول الذاكرة.
ثمة جسد مائل يشبه التصوير صار عند الشاعرة أغنية. هبوط نورس يحرق صمت الأشياء ويبتلي بالحنين.

تقول: بكى كالريح على ضحكي المتلاشي علقت نفسي ثوباً باليا، جمعت كل أرواحي في وجهي لم يعرفني أحد..
في “الصمت” حملت الشاعرة حنينها الى مطارح الوجود، جعلت العناق بريقاً واليد حريراً، وحين العين أيقنت، طفرت دمعة الروح وقفت الشاعرة في الدهشة.

يا لدهشة الشاعرة حيال الأمكنة بالحنين. يسنده الزمان العمر… الأحبة، المرحلة، الوقت.. إنها وجه الذاكرة جسد عشقته الريح أغرقته هدأة العصافير. جسد من رطوبة التراب ملقىً كناي هجرته الأنفاس تناثر رماداً بارداً وما رآه الربيع. هذه الشاعرة باللون تعمد حالها الوجود والحضور عندها تكملة كونية واضحة. فالشجر عندها والماء والنجم والأرض والليل تتقابل تتباعد تتناسل وتبقى الشاعرة في تماس معها. وحدها –النجمة- تقول- لا تغيب أقدامها مفروسة بالعين ورأسها مع الإله في نزهة طويلة . تؤكد في كتاباتها انها خارج منظومة القلق لكنها تخاف الخوف وتركن الى صيرورة ذات باحثة عن سرّ ما.

هذه المرأة تسافر داخل نفسها حتى طلوع الفجر وتقول في حوارها معنا: إنها أصغر من حبة الرمل، أكبر من حبة عشق. إمرأة ما زالت تبحث عن الأسئلة عن النور عن الطفولة النائمة في قرنة العمر.
ما سرّ صمت الشاعرة؟

كل كلام تختزنه أعماقها تحّول الى فكرة وألوان الى عطاء جميل يبهج الأخرين كما يبهجها. تسأل هل أعظم من الصمت كي نسمع كل شيء، كي نبوح ما في الأعماق؟ اما عن وجعها فإن كل إنسان يتمتع بقدر من الحس لا بد وأنه توأم والوجع. فالإنسان عندها محكوم بالحياة والموت وبين الحياة والموت رحلة محفوفة بشتى أنواع الغرائب من حروب وفقد وإنفعالات ومجابهات فكيف إذا كان هذا الإنسان فناناً حيث أن حسه مضاعف مئات المرات؟ “لقد أوجعني الوطن والإنسان الحب والفقد الإنتماء الخوف والإشمئزاز الكذب والحسد. لقد خافت مهى الخال كثيراً حتى لم تعد تخاف”.

الواقع قاس في ذاكرتها وجاف إذا لم تقل بأنه بائس عالم الحلم عندها نظيف وهادىء جميل ورقراق. فكيف لها أن لا تفضله؟ عالم أحلامها هو نصف الطريق نحو الفردوس بينما الأرض كوكب مشتعل تعمه الفوضى ويملأه الضجيج أحلام يقظتها كوابيس حياتها إنها إنسانة حالمة فقط ضمن نطاق الرسم والشعر. لكنها في حياتها العادية إنسانة واقعية وملتزمة بكافة مسؤولياتها التي لا تدع أدنى عناوين كتب مهى الخال وعناوين لوحاتها لها علاقة بكيمياء الكون وسيمياء الوجود. وهذه المفارقات هي التي تجمعها وتؤلفها وتصنع مفردات لغتها حروفاً أو ألواناً أو سلوكاً.

كلامها يشبهها وأيضاً لوحاتها هي كل لا ينفصل وجود صغير في قلب الوجود. عندما ترسم مهى الخال تحس ملائكتها ترسم معها. تكتب معها فعقلها وقلبها وعيتيها ويديها وتلك الملائكة في رقصة عجائبية وكثير كثير من الحب. كلها معاً منصهرة والنتيجة لوحة تحمل معناها ومداها ويحبها الآخرون وفي ذلك نشوة سماوية تشبه الفرح.

أعظم مغامرة قامت بها مهى بيرقدار هي زواجها من والد الحداثة الشاعر يوسف الخال وهي تغامر خارج ذلك أيضاً بالكتابة والرسم وتنتظر في زوايا الأمكنة فالمكان يعني لها بقدر ما تحس بالطمأنينة فيه. ولا تحب تلك الإنتماءات الرومانسية لأمكنة محددة حسبت على البشر أوطاناً يشدها الحنين الى بعض الأمكنة في دمشق- مسقط رأسها- مثلما يربطها الحب ببلدات الجنوب اللبناني. مثلما تحب بيتها في بلدة “غزير”، عندها شغف بجمالية وروعة العمارة في بعض البلدان مثل مدينة فلورنسا في ايطاليا. هي بكت فيها لشدة جمالها والفن المتجلي في كل مكان وتمنت لو انها ماتت في تلك اللحظة من نشوة الجمال الى جانب اعجابها بالجُزُر اليونانية.

تولد مهى مع كل كلمة تقرأها أو تكتبها مع كل لوحة تنجزها مع كل قطرة ماء تشربها مع كل صمت تعيشه مع كل لحظة تامل حتى من قلب الرماد تولد شاعرة ومع كل فرح تولد وتموت لتعود فتولد.
إنها تعيش الأشياء الأفكار الأحلام اما الواقع فتتعايش معه بكل ايجابية وبسلبياته العيش الحقيقي بالنسبة لها عملية حميمة وشخصانية تعيشها مع ذاتها تتعايش مع قريب شريك جار الى ما هنالك. لكن عندما تصير المسألة مسألة عيش فالمسألة عندها مختلفة لأنها تعيش الحب، تعيش الشعر، تعيش الفن والحلم والقهر، لذلك تفرق مهى في كتاباتها بين العيش والتعايش.
تقول “حلة تختارنا مثلما نختارها بينما التعايش هو أمر يفرضه منطق الأشياء وضرورتها”.

قصيدة مهى الخال تتبع أعماقها لا بل هي ترجمة حقيقية لتلك الأعماق. لذلك تأتي احياناً حزينة داكنة ككل ما تعيشه. عندما يغلبها النوم تصلي قبله خوف أن تكون تلك نومتها الأخيرة فلا تستيقظ على قتل هنا وعلى إستباحة هناك “الحياة صارت موتا والموت صار الحياة”.
وترى مهى انه طالما هناك إنسان على هذا الكوكب. طالما الشعر موجود الشعر عندها لا يمتلك زمناً ولا مكاناً لأنه هو الزمان والمكان قد يغشاه أحياناً بعض الشوائب من هنا وهناك. لكنه يبقى أبداً ذاك الملاك المغتسل بالمطر والضياء.

انطلقت مهى الخال فنياً وشعرياً من مدرسة كبيرة اسمها الحداثة لذلك فموقفها منها هو موقف التبني والمدافع عنها “أما أن تتحول تلك المدرسة الى ساحة أو مكب لحثالة بعض العقول ولنفايات بعض ما يطلق عليه مواهب فأنا ضده وبريئة من الإنتماء اليه… الشعر طقس نوراني وليس هذيانا إنه خلاصة معاناة الإنسان لإنسانيته ولوجوده لحياته وموته ولتساؤلاته امام الله والذات”.

عن يوسف الخال تقول مهى الزوجة والشاعرة أنه ككل مبدع قيمة لا تموت لقد كان ثائراً رافضاً مجدداً ككل كبار التاريخ. في البال هو مائل دائماً وهومائل بولدي “ورد” و “يوسف” كما هو حاضر في كل نتاجه من شعر ونثر من نقد ومن ترجمات يذكر أن اعمال يوسف الخال أعيد طباعتها منذ سنوات وأرشيفه في تصرف طلاب الجامعات للإستفاده منه دون المساس بأشيائه وكتاباته.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*