وفاة ستانلي كونيتز: خامة أميركا الشعرية

توفي، في ولاية نيويورك، ستانلي كونيتز، أحد أكبر الشعراء الأميركيين المعاصرين وأسطعهم حضوراً وأغزرهم إنتاجاً. إنه من خامة الأدباء العمالقة لفظ أنفاسه الأخيرة عن عمر يناهز المئة نتيجة لإصابته بالتهاب رئوي حاد. بقي حتى الرمق الأخير صافي الذهن غير عابئ بأعوامه المئة التي أمضاها في حديقة الشعر ولم يقدم استقالته يوماً من هذه المهنة الأكثر صعوبة في عالم الكتابة. والأرجح أنه ازداد إشراقاً وتوهجاً لدى بلوغه التسعين، بدليل أنه فاز بجائزة “الكتاب الوطني” في العام 1995 إعترافاً من الوسط الثقافي في الولايات المتحدة بوزنه الثقيل في الكتابة الشعرية وبموهبته الاستثنائية في إحداث نقلة نوعية، في هذا المجال، في الولايات المتحدة والعالم. وكان حصل، قبل ذلك، على جائزة “بوليتزر” العالمية في العام 1959، وميدالية الفنون سنة 1993، وجائزة “بولينينغن” الشهيرة في العام 1987. غير أن اللقب الأحب الى قلبه تمثل في تتويجه شاعراً للولايات المتحدة وهو في الخامسة والتسعين من عمره.

أمضى السنوات الخمسين الأخيرة من عمره المديد وهو يستلهم الروح الإنسانية وعذاباتها وتطلعاتها والقهر اللاحق بها، مستظلاً الأشجار الكثيفة في حديقة منزله التي وفّاها حقها وفضلها عليه في سائر كتاباته الشعرية والنثرية. على هذا الأساس، أوجد كونيتز لمادته الشعرية أرضاً إنسانية خصبة تجاوزت في مضامينها وأبعادها البيئة الأميركية الضيقة بمعتقداتها، الى رحاب الميثولوجية الإنسانية الكبرى. يقول، في هذا السياق، أنه لم يكن ملماً كثيراً بالأبعاد الإنسانية للغة. وما لبث، بعد ذلك، أن أدرك بأن اللغة هي الوعاء الأخطر للأفكار والقيم والمفاهيم بغض النظر عن الجغرافيا التي تنتمي إليها. جاء كتابه الأخير قبل وفاته، تأملات نثرية خالصة في ما شهده من أحداث توزعت على قرن من الزمن عاشه حتى الثمالة. عنوان هذا العمل النثري هو: “الصغيرة المتوحشة”. كان يردد دائماً” إن أعمق ما يبادر ذهني، هو أنني أدرك، أنني أعيش الموت والحياة معاً. وقناعتي أن أعبّر عن هذا الحوار بين الذات وذاتها”.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

*